السبت، 22 أبريل، 2017

على باب الأبدية



على باب الأبدية 

 حكايات و شخوص في رحاب الإمام

قررت يوماً أن أمشي على غير هدى للبحث عن الجمال في وسط العدم ، أسير في دروب ملتوية ، أترك خلفي ضريح الإمام الشافعي تغازلني قبته  ، فأطوف كالحمام حواليها ، ليس تبركاً بالمقام  و لكن بحثاً عن ماض و لّى و لم يعد يذكره أحد .

كالمجذوبة كنت في هذه الدروب.... أسأل كل من مررت به عن ضريح أو قبة تشققت جدرانها أو شامخة ما زالت ،  تنبئ 
عن عز و جاه كان في يوم ما صفحة  من صفحات التاريخ .

هنا يفاجئني الحظ بقباب ضخام تطوي حكايات لشخصيات كانوا يوماً ما ملئ السمع و البصر ، واراهم التراب و نسيهم حتى الأحباب .
خلف الجدران سياسي عظيم ، قائد ثورة ، أمير علوي أو أميرة  بنت عز و جاه .... شخصيات كثيرة تجمعت في رحاب الإمام .
حين كنت أدخل و أقف أمام شواهد الخلود كانت تتقاذفني مشاعر كثيرة ،  تختلط بأصوات أكثر بين صمت و جلال الموت و ضحكات أناس بالخارج يتعايشون مع الموت كمشهد رئيس في حياتهم التي كثيراً ما أعتمدت على الموت لتكسب الحياة !

حكايات تدور أمامي بين فَضولي يريد أن يعرف لم أهتم بمقابر هؤلاء ،  و بين من خط الزمان على وجهه ألف حكاية يحكيها بلسانه عن هؤلاء الراحلين و قد شهد في طفولته بعضاً من عزهم ،  أصوات شتى تلفني في وسط صمت الموت .
سر معي قارئي لترى بعضاً مما رأيت :

ذات الشاهد المرمري الأميرة  نعمت الله بنت الخديو  اسماعيل :




ولدت في 24 سبتمبر سنة 1875 م تزوجت من سمو الأمير إبراهيم أحمد باشا بن أحمد رفعت ناظر الأشغال و الزراعة ، توفي عنها سنة 1894 م ثم تزوجت مرة أخرى في 4 سبتمبر سنة 1896 م في تركيا محمد مختار بن غازي أحمد مختار . توفيت سنة 1945 و دفنت في مقبرتها بالإمام الشافعي .
بصوت غاضب يحكي رجل تجاوزت عمره السنين عن هذه المقبرة  و العز الذي راّه قائلاً : صادروها لصالح فقراء المصريين اقرأي الشواهد لتعلمي أن بعد المصادرة دفن الأسياد الجدد أنا هنا منذ زمن رأيت عز المكان ،  حين كان يبعث أسبوعياً من السراي طعام للفقراء و كساوي لهم ، بعد أن استولت الحكومة على المكان قسموا الأرض بين الأسياد الجدد و نسوا الفقراء رحم الله سمو الأميرة كانت ترعى المكان هي و باقي عائلتها ،  المكان كان مقسم جزء لمدفنها و جزء مدفن 
لخدمها و أنا منهم و جزء حتى لحيوانات السراي .... راحت أيام العز .



شاهد قبر الأميرة نعمت الله اسماعيل و زوجها محمد مختار



صورة توضح الاسماء المذهبّة على شاهد القبر المرمري 



صورة عامّة توضح شكل المبنى الذي يحوي الضريح 


ادريس بك راغب :



عطوفة ادريس بك راغب 



يافطتين متجاورتين و سلسلة ضخمة بقفل كبير لا يرحب بأحد ، مكان سري للغاية يناسب صاحب القبر و منصبه الذي تحوم حوله الأساطير .
هو العالم الرياضي المحقق نجل اسماعيل  راغب باشا بن ادريس معتوق محمد علي والي مصر .
ولد في سنة 1863م بمصر .
تلقى العلوم في منزله على يد أساتذة استحضرهم والده اسماعيل باشا ، ترقى في المناصب بعد أن أتم تعليمه ليصبح نائب قاضي في محكمة مصر الإبتدائية الأهلية ثم أصبح رئيساً لنفس المحكمة .
انضم إلى المحفل الماسوني حتى وصل إلى أعلى رتبة و هي الرئيس الأعظم للمحفل الأعظم الوطني المصري ، كما كان 
عضواً مؤسساً للنادي الأهلي و تولى رئاسته  بين 1906 -1916  م .


اسماعيل باشا بن ادريس أفندي 


رؤساء النادي الأهلي و منهم ادريس بك راغب


يافطة تحمل اسم ادريس بك راغب 

أنشأ هذا المدفن الحاج ادريس أفندي معتوق جنتمكان محمد علي والي مصر 




أحمد عرابي باشا :


من اللافت في قبره المتواضع جداً وجود العديد من الصور المطبوعة و كأنه ما يزال يزأر بثورته الكل هناك يعرف مكان قبره لم ينسوه !
ولد عرابي باشا في قرية رزنة بمحافظة الشرقية في مارس سنة 1841 م ، أخذ قسطاً من تعليمه بالأزهر الشريف ثم التحق بالجيش و تزوج من أخت زوجة الخديو توفيق بالرضاعة .
ترقى في الجيش حتى وصل إلى رتبة أميراّلاي المشاة و ظل يشغل هذا المنصب حتى قيامه بالثورة التي حملت اسمه ( الثورة العرابية ) حين تحرك و أنصاره في 9 سبتمبر 1881 م مطالباً بعزل رئيس النظّار مصطفى رياض باشا و تشكيل مجلس النواب و زيادة عدد الجيش من المصريين .
تحققت بعض مطالبه و تولى نظارة الحربية في نظارة محمود سامي البارودي و لكن احتلت مصر من الإنجليز 1882 م و نفي هو أنصاره إلى سيريلانكا في عهد الخديو توفيق ثم صدر العفو العام عنه و رفاقه في عهد الخديو عباس حلمي الثاني .
توفي سنة 1911 م .













الوزير الثائر الشاعر محمود سامي البارودي:




ضريحه لا يفتح لغريب فاكتفينا بالتقاط صورة لإسمه .



ولد لأبوين من أصول شركسية سنة 1838 درس في مدرسة المبتديان ، مدرسة الأسر المرموقة ثم التحق بالمدرسة الحربية و تخرج منها برتبة باش جاويش و انضم إلى الجيش العثماني بتركيا و خلال اقامته بالأستانة أتقن اللغة العثمانية و الفارسية .
عاد إلى مصر و التحق بالمعية الخديوية و عين ياوراً للخديو اسماعيل ثم محافظاً للقاهرة ، في عهد الخديو توفيق تولّى نظارة المعارف ثم نظارة الحربية ، و حين قامت الثورة العرابية كان من اشد أنصارها و تم نفيه مع رفاقه إلى سيريلانكا .
الف ديواني شعر و يعد من شعراء النهضة المصريين .
توفي سنة 1904 م .


الباشا رئيس النظّار شريف باشا :


من أول نظرة للقبة الفخيمة و حوائطها المحفورة بأنامل ذهبية تدهش من الإبداع ، حين تصل إلى شاهد قبره تنتابك رعدة إجلال كأنك بحضرته فعلياً ...فخامتة شاهده بأوشحته المنقوشة تأمرك بأن تستأذنه بالوقوف أمامه و مع ذلك هو مكان يرحب بك و ينسيك أنك في مقبرة !

شاهد قبر شريف باشا و يجاوره شاهد قبر نجله 

شريف باشا المولود سنة 1862 م على الأغلب في مدينة قولة و قيل القاهرة لا نعلم حقيقة مكان مولده و لكن نعلم أن محمد علي باشا شمله برعايته و ألحقه بمدرسة الخانكة التي يدرس بها أولاده و أحفاده ، ثم ارسله في البعثة الخامسة من بعثات الأنجال إلى باريس ليلتحق بالمدارس الحربية هناك ، و عند عودته التحق بالجيش المصري تحت رئاسة سليمان باشا الفرنساوي و الذي تزوج شريف من ابنته ليصبحا فيما بعد أجداد الملكة نازلي ملكة مصر و أم ملك مصر فاروق الأول .
تولى شريف باشا رئاسة وزراء مصر أربع مرات و يعتبر أحد مؤسسي البيروقراطية الحديثة في مصر و اباً للدستور المصري و لاعب رئيسي في سياسة مصر و تاريخها الحديث .
يحمل اسم شريف باشا شارعين في قلب مدينة القاهرة و مدينة الإسكندرية .

شكل عام لقبة ضريح شريف باشا 


من تفاصيل الحفر على الحجر على جانب حوائط الضريح الخارجية و زهرة اللوتس عنصر اصيل في الزخرفة 


قبة الضريح من الداخل الصورة للأستاذة عاليا نصّار 



سعد زغلول باشا  1919 :





من منا لا يعرف ضريح سعد أمام بيت الأمة ؟ ذاك القبر الفخيم الذي صممه المعماري الشهير مصطفى فهمي على طراز المعابد الفرعونية ، و لكن هذا ليس مرقد سعد باشا الأول فقد دفن سعد في رحاب الإمام الشافعي حين وافته المنية سنة 1927 م حتى تم بناء ضريح سعد الشهير سنة 1931 م .
القبر رحب مفتوح للجميع كبيت الأمة يوماً ما ..بخط واضح مقروء كتب اسم سعد زغلول تجلس بجواره سيدة كبيرة في 

السن لا تعلم سبباً لمجيئنا إلى قبر خاوٍ ليس به أحد هي لا تعرف من هو سعد !


ضريح سعد زغلول في رحاب الإمام الشافعي الصورة من داخل الضريح 


ضريح سعد زغلول من الخارج 

سعد زغلول الذي شغل مصر لسنوات طويلة و انشغل بمصر و مصيرها ، ولد سنة 1859 بمحافظة الغربية ، أخذ قسطاً من علومه بالأزهر الشريف كما حضر دروساً للشيخ جمال الدين الأفغاني و الشيخ المجدد محمد عبده .
ترك دراسته بالأزهر و عمل محرراً في القسم الأدبي لجريدة الوقائع كما عمل معاوناً في نظارة الداخلية و شارك في الثورة العرابية فتم فصله من وظيفته و سجن .
بعد خروجه من السجن عمل بالمحاماة التي كانت لا تطلب حينها شهادة في القانون و لكن سعداً أصر على السفر إلى باريس ليتعلم الفرنسية و يدرس القانون سنة 1897 م .
ترقى في السلم الاجتماعي بزواجه من السيدة صفية هانم بنت مصطفى فهمي باشا رئيس وزراء مصر و دوى اسمه حين اصبح من زعماء ثورة 1919 م ليصبح السياسي الثائر و نفي إلى مالطا ثم إلى سيشيل ، غنى له المصريون و شخصت أبصارهم إليه ، تولى عدة نظارات منها المعارف و الحقانية و صال و جال لتخليص مصر من براثن الاحتلال الانجليزي ، مات سعد قبل أن يشهد مصر حرة و اصبح له قبرين قبر خاوٍ شعبي و قبر رسمي و لم لا و هو قد جمع بين الشعبوية و الرسمية !


شاهد لن ترى مثله شاهد قبر الأمير محمد وحيد :

الأمير محمد وحيد 

قابلنا شخصاً لمس شغفنا بما هو مدفون تحت القباب فدلنا على قبر سيف يجب أن تزوروه لن تشاهدوا مثله ....
 في الطرقات الملتوية مشينا حتى وصلنا إلى مبتغانا و فتح لنا الباب ذو السلاسل الضخمة و القفل الذي صدأ ، يحذرنا حارس الضريح من أن نتحسس خطواتنا جيداً فالمكان مهدد بالانهيار لأنه يسبح على بركة مياه جوفية نلحظها حتى في الجدران و تزكم رائحة الملوحة أنوفنا حتى نقف أمام هذا الشاهد !
حقيقة لم نشاهد مثله ، الشاهد مصنوع من الفسيفساء الملونة و المذهبّة مصمم على شكل مقدمة قطار
تقف مشدوهاً أمام دقة الصنع و لكن من هو سيف ؟

ضريح الأمير محمد وحيد مصمم على شكل مقدمة قطار و مصنوع من الفسيفساء الملونة و المذهبة 

نتمشى بين الأضرحة نقرأ ما هو مكتوب علنا نجد بداية الخيط لنعرف القصة ..
على شاهد اخر صنع من الرخام نقرأ اسم أحمد سيف الدين اّه ...هذا سيف الذي يقصد أخو الأميرة شيوه كار زوجة الأمير فؤاد الأول ( الملك فؤاد لاحقاً ) ذاك الأمير الذي ضرب فؤاد رصاصات في كلوب محمد علي ثأراً لما عانته أخته في زواجها و لكن من صاحب الشاهد الأول !
قرأنا الاسم بصعوبة لنكتشف أن صاحب الشاهد هو أخوه محمد وحيد بن ابراهيم أحمد بن أحمد رفعت بن ابراهيم باشا بن محمد علي  و أخو الأميرة شيوه كار لم يعش طويلا ، ولد في 29 أغسطس سنة 1879 م و مات في حادث سيارة في فرنسا  سنة 1906 و كان عمره 27 سنة .

خبر وفاة الأمير محمد وحيد في 20 أغسطس اثر حادث سيارة في فرنسا 

 تزوج مرتين الأولى من سمو الأميرة فضيلة زبيدة عثمان و الثانية من الأميرة صالحة حلمي و أحد اشهر أبناؤه النبيل عمرو ابراهيم صاحب القصر الشهير بالزمالك أمام بوابة نادي الجزيرة ( متحف الخزف حالياً )
لم نعثر على اية معلومة أخرى عن البرنس محمد وحيد و ترك لنا شاهد قبر لن نرى مثله ابداً .

الصور المتتابعة من تفاصيل شاهد قبر الأمير محمد وحيد 





صورة لقبة الضريح من الداخل و هي قبة فريدة من نوعها معمارياً 


ها قد طفنا سوياً حول ضريح الإمام ، أزحنا الغبار عن منسيات القاهرة التي كلما غصت في تاريخها و اثارها و جدت  أنه ما زال هناك الكثير و ان الطريق طويل و لكنها لا تبخل على من سعى و أن حتماً هذا السعي سوف ُيرى ... فقط اسعى و ارتمي في دروب القاهرة لتسمع الحكايات و تتعرف على الشخوص فحتماً سترى .


المصادر :
Ottoman Egypt royal family – unknown other
دليل وادي النيل  الجزء الأول - ابراهيم عبد المسيح
مذكرات فخري عبد النور
مذكرات سعد زغلول – عبد العظيم رمضان
سعد زغلول زعيم الثورة – عباس محمود العقاد
ذاكرة مصر المعاصرة – مكتبة الاسكندرية
عصر اسماعيل – عبدالرحمن الرافعي
مصر الخديوية – نشأة البيروقراطية الحديثة – روبرت هنتر
مذكراتي في نصف قرن – أحمد شفيق باشا

شكر خاص :
مركز والي للعمارة الحفاظ على التراث
دكتور حامد محمد
الأستاذ محمد سليمان

التصوير :
سالي سليمان
تاريخ الصور فبراير – مارس 2017

   

الاثنين، 14 نوفمبر، 2016

عودة أنوبيس - جبانات الأسكندرية






عودة أنوبيس

 جبانة جاليات الإسكندرية



بقلم :  الزهراء عوض  و  سالي سليمان
مصدر الصور : زهراء عوض و بعض الصور من النت 


مثل أجساد جميلة ، لم تدركها الشيخوخة 
ذرفت عليها الدموع 

وهي تواري ضريحا فخم البناء 

على الهامات نضدت ورود

ونثر الياسمين عند الأقدام 

مقتطف من قصيدة رغبات للشاعر كفافيس

حينما تتجول في مدينة الإسكندرية و تشاهد مبانيها التراثية و تقرأ أسماء شوارعها ، تختلط رائحة البحر بموج الذكريات ، تتمنى أنك عشت يوماّ لتقابل من بنى هذه الفيلا أو ذاك القصر ، أو اقتربت لتشاهد من تسمّى بإسمه أحد شوارعها ، أو أن تكون من معاصري أحداث سَطٍرت على جدران ذاكرة المدينة ... لا تندم سنأخذكم قراءنا الأعزاء لنقابل بعض هذه الشخصيات لكن ليس في قصورهم  ...بل لنقف أمام قبورهم ومنازلهم الأبدية ، لنحيي ذكراهم وفاءاّ لهم ، و لعشقهم لتلك المدينة الساحرة التي سحرتنا كما سحرتهم فدفنوا في ترابها كما عاشوا على أرضها.
الإسكندرية الكزموبوليتانية التي انصهر بها أجناس شتى من بقاع الأرض ، تلك المدينة التي تسمع فيها الكثير من اللغات  و ترى فيها جميع الوجوه .

مدينة الرب ، الإسكندرية عاش بها منذ اّلاف السنين يونان و رومان و مصريون و عرب ثم وفد عليها منذ مئات السنين يونانيين و بريطانيين و ايطاليين و شوام وجنسيات وطوائف اخرى اختلطوا مع المصريين تمازجوا و تعايشوا ، كل يحترم عادات و تقاليد الاّخر و يقتبس من لغته و عاداته ما يناسبه ، يبني بينهم جسراّ للتعايش و في نفس الوقت يبقي خصوصية إثنياتهم و يفسح لهم المجال للمحافظة على خصوصياتهم سواءاّ العرقية أو الدينية .. معادلة صعبة و لكن الصعب سهل في مدينة الرب الإسكندرية .

في رحلة بحثية تجولنا لنلتقط ذكريات المدينة بالصورة نوثق بها لقطات قد تبدو حزينة ، و لكنها في الحقيقة بعث لذاكرة المدينة فبين المقابر تلونا صلوات الرحمة على ما افتدقناه الاّن قبول الاّخر ..وقفنا نستمد منهم طاقة التسامح و نبعث أرواحهم السمحة لنستقوي بها على أوجاعنا من حال تراث مدينة الرب .
نقابل من مضى نشكره على جمال تركه لنا ، و نحاول جاهدين الحفاظ عليه ، نضعه بين أيديكم لتشاركونا شغفنا بالماضي الذي نريد الحفاظ عليه لأجيال قادمة تحمل بعدنا شعلة الحفاظ على التراث و تعي دروس الماضي ، علّ ماضي المدينة و بوتقتها السحرية تصهرنا بالحب مرة أخرى ، و تضفي علينا الجمال و الإبداع و تزيح غلالة القبح التي سيطرت على مدينتنا ولتبقى الاسكندرية مدينة ضد العنصرية.
ركزنا على القرنين التاسع عشر و العشرين حيث تبلغ المدينة أسمى درجات التنوع العرقي و تفاعل هذه الجاليات معاّ ليبدعوا في شتى المجالات ، أصبحت الإسكندرية عاصمة مصر الحضارية مرة أخرى و العاصمة الثانية لمصر بعد القاهرة .
مقابر الإسكندرية ليست أي مقابر بل هي متحف مفتوح ، يوثق تاريخ و عائلات عاشت هنا أثرت و تأثرت .
منذ القرن التاسع عشر حيث منح محمد على باشا ومن بعده حفيده الخديو اسماعيل أراضي الجبانات بمنطقة الشاطبى فقسمت على حسب الملة والطائفة فتوجد مقابر اللاتين ، ومقابر اليونانين تديريها الجمعية اليونانية وتوجد مقبرة الأرمن ،ومقابر الأنجليز البروتسانت ، ومقابرالكومونولث لجنود الحرب العالمية الأولى والثانية ، وتوجد مقابر لليهود ،ومقابر للشوام ،ومقابر الفرنسيين ،ومقابر للأقباط الأرثوذكس ،والطائفة الانجيلية ، والكاثوليك وهذا يعبر عن مدى احترام الاديان والثقافات ، و امتزاج الفنون .
كما عاشوا دائماّ جنباّ إلى جنب دفنوا متقاربين ...
ضمت الجبانات رفات أشهر شخصيات عاشوا بالاسكندرية وعلى سبيل المثال وليس الحصر:

مقابر الجريك أرثوذوكس :

شاعرالإسكندرية الأول الشاعر اليونانى قسطنطين كفافيس :
قال عن الإسكندرية : (أي مكان أجمل من هذا يمكن أن أستقر فيه، وسط مراكز الوجود هذه مبغي وكنيسة للغفران، ومستشفي يموت المرء فيه )

ولد قسطنطين بيير كفافيس في الإسكندرية في 17 ابريل 1863 ، وفي عام 1908 استأجر منزلا فى 10 شارع لبسيوس ، ثم تغير اسم الشارع  لشارع شرم الشيخ ، ثم مرة أخرى تغير ليحمل اسم كفافيس.
 عاش وحيدا في هذا المنزل حتى وفاته عام 1933 م و  دفن كفافيس في مقبرة الأسرة في مدافن اليونانيين بالإسكندرية.
 بفضل الجهد المتواصل الذي قام به الشاعر اليوناني كوستيس موسكون، ضمن نشاط المؤسسة الهيلينية، مع آخرين من محبي شعر كفافيس (الذى ترجم شعره إلى معظم لغات العالم ) ومؤسسات ثقافية يونانية أخرى تم تجديد البيت الذي عاش فيه كفافيس وصار المنزل متحفا ومكتبة تخليداّ لذكرى كفافيس .
قال كفافيس  فى قصيدة قبر ياسيس ( و كأنه يتحدث عن نفسه ) :
قبر ياسيس
أنا ياسيس أرقد هنا فى هذه المدينة.
أرقد فى هذه المدينة العظيمة كنت مشهوراّ بوسامتي أعجب بي الحكماء وذو الفطنة ، كما أعجب بى الأجلاف من العامة
وكنت أطرب لإعجاب هؤلاء وهؤلاء وعلى مدى الزمن ولكثرة ما لعبت دور ناركسيوس وهرميس ونضبت الدماء فى عروقى وأصابني الدمار.

 يا أيها المسافر اذا كنت سكندرياّ فلن تلومني .




شاهد قبر الشاعر كفافيس

و تـأخذنا دوامات الذكريات  ان نبحث و نجد قبر المليونير الشهير و الذي ترك لنا قصراّ و حدائق ما زالت تحمل اسمه أنطونياديس ، و إلى جوارهم قبر عائلة انسطاسي و هي عائلة يونانية تحمل بعض شوارع الأسكندرية اسمها إلى الاّن ، و من مر أو تعامل مع مستشفى عبد الناصر بالإسكندرية فيجب أن يعرف أن مؤسسها كانت عائلة كوتسيكا اليونانية و كانت تسمى المستشفى اليوناني ، أما عائلة سلفاجو صاحبة قصر سلفاجو  ( المركز الثقافي الروسي الاّن )  فهي أيضاّ في نفس الجبّانة المتحفية ، كما توجد مقبرة عائلة بيناكى اليونانية من أشهر السياسيين فى اليونان ومؤسس ملجأ بيناكى بالشاطبى الذى تحول منذ عام 1971 م ليصبح مقر للقنصلية اليونانية بالثغر .



قصر و حدائق المليونير أنطونياديس




شاهد قبر أنطونياديس 

 يجاور هؤلاء سياسيين يونان من أمثال راللي و أفيروف وتمفاكو صاحب قصر تمفاكو بمنطقة الفراعنة حيث يقع مبنى اداراة اأتيلية الأسكندرية للكُتاب والمثقفين الذى تناولنا قصته وتاريخه من قبل ، و كأنك حين تتجول بين شواهد قبورهم البديعة تسمع حواراتهم و ضحكهم كما لو كانوا في اجتماع في النادي اليوناني .
فترتسم بسمة على شفتيك و تكمل رحلة البحث عنهم ...
لا يمكنك و أنت في مقابر اليونانيين إلا أن تقف مشدوهاّ أمام مقبرة الملاك الحارس لعائلة زرافودكي صاحب شركة الزيوت و الصابون و صاحب القصر الشهير بزيزينيا الاّن يشغله مدرسة الرمل للبنين ، و لشاهد قبر عائلة زرافودكي قصة حيث ماتت الإبنة الرقيقة الصغيرة إيرين متأثرة بمرضها في سويسرا فحزن أهلها حزناّ كبيراّ و قررا تشيد هذه المقبرة لتخلد ذكراها في سنة 1880 م فصنع تمثال على هيئة ملاك حارس من افخر أنواع الرخام و تم نحته في فرنسا و يضع التمثال سبابته أمام شفتيه اّمراً من حضر بالصمت لكي لا يوقظ الصغيرة إيرين الراقدة خلفة في سلام . تلتزم الصمت و تمشي على أطراف أصابعك كي لا توقظ الصغيرة النائمة فللحزن جلال .




 شاهد قبر إيرين زرافودكي  ترقد بسلام و أمامها الملاك الحارس الذي يأمر بالصمت 


مقابر اللاتين :

ونتجول بين الجبانات لنقرأ اسم  العالم الأثري بوتي أول مدير للمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية ، المدفون في تابوث أثري من الجرانيت الأحمر تنفيذاّ لوصيته ، ويقابله تابوت اّخر مماثل له حيث ترقد زوجته ، وكان بوتى صاحب بداية استكشافات عدة فى الاسكندرية مثل بداية اسستكشاف مقبرة كوم الشقافة وعمود السوارى ، وصاحب أول كتالوج للمتحف اليونانى الرومانى عام 1900 م ومدفون  بمقابر اللاتين بالاسكندرية. كما توجد مقبرة الايطالى فليبو بينى الذى قام بتخطيط شارع فؤاد وكذلك عائلة بهنا وهى من أشهر العائلات التى عملت بالإنتاج السينمائى فى أوائل القرن العشرين وصاحبة واحدة من أكبر مكتبات توثيق تاريخ السنيما فى  مصر.




العالم الاثري جوزيف بوتي أول مدير للمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية 



تابوت الجرانيت الأحمر الأثري المدفون به العالم الاثري جوزيف بوتي 


مقابر الروم كاثوليك :



صورة كارت بوستال لمقابر الروم كاثوليك تعود إلى الربع الأول من القرن العشرين 


وهناك مقابر الروم الكاثوليك حيث قبر المخرج المصري الشامى الأصل يوسف شاهين ، و وشلهوب عائلة الممثل العالمى الشهير عمر الشريف. وكذلك مقبرة أسعد باسيلي صاحب قصر باسيلي و هو نفس القصر الذي تحول إلى متحف الإسكندرية القومي .



قصر باسيلي ( المتحف القومي الاّن بالإسكندرية ) 


الفنان عمر الشريف حيث توجد مقابر عائلته عائلة شلهوب في مقابر الروم كاثوليك




المخرج المصري الشامي الأصل يوسف شاهين و هو مدفون في مقابر العائلة جبانة الروم كاثوليك 


مقابر اليهود :

حيث يرقد عائلات أجيون ، و منشا ، و رولو ، و جرين ، و سوارس ، و بانون ،و حبيب ، وغيرهم ، من أشهر عائلات الجالية اليهودية بالإسكندرية الذين عاشوا بالمدينة قرون عدة وما زالت شوارع المدينة وبعض من مبانيها تحمل اسمائهم .


مدخل مقبرة عائلة حبيب توليدانو بمقابر اليهود 






تقع  مقابر الجاليات بين شارع قناة السويس وشارع أنوبيس بالشاطبى أمام قسم باب شرق وتمتد من الترام إلى طريق الحرية لكل طائفة قسم منها .
في سنة 1858م قرر مجلس البلدية تسمية الشارع باسم أنوبيس حارس الجبّانة و إله المصري القديم لأن الجبانات تطل عليه ، فحين اختاروا الإسم كانوا يأملون أن أنوبيس لن يترك الجبانات من غير حمايته ، و ليس من العجيب أن بعد بعض الانتهاكات و السرقات التي تمت لشواهد القبور تقرر الجاليات عدم السماح لأحد إلا بتنسيق مسبق معها ، كما وضعت كل جالية كلباّ أسود اللون مع حارس الجبّانة يهاجم كل من يتسلل إليها .
عاد أنوبيس من رقدته الطويلة ليحمي ما تبقى من روعة شواهد قبور الجبانات.


تقسيم جبانات الجاليات و الطوائف في الإسكندرية خريطة من مركز الدراسات السكندرية 


هكذا طفنا سريعاّ لنتعرف على بعض من لم يسعفنا الوقت لنراهم رؤيا العين فرضينا أن نرى شواهد قبورهم  .
قصيدة أصوات

أصوات خفية حبيبة

أصوات أولئك الذين ماتوا،

أو أولئك الذين هم بالنسبة إلينا ضائعون مثل الموتى ،

تتكلم في حياتنا أحيانا ،

وأحيانا في الفكر يسمعها العقل.

ومع أصدائها 

..
تعود برهة أصوات من قصائد حياتنا الأولى ،

مثل موسيقى 

..
بعيدة في الليل تخبو .

كفافيس
مصادر المقال :

توثيق زهراء عوض و مقابلات شخصية مع من تبقى من عائلات الجاليات الأجنبية المقيمة في الإسكندرية .

مركز الدراسات السكندرية

الموقع الألكتروني للأستاذة نوران شافعي https://noranshafey.wordpress.com/2007/12/14/40/