الخميس، 31 أغسطس 2017

الحج في القرن التاسع عشر


مقتطف من كتاب مصر في التاسع عشر
حج محمد علي و إبراهيم باشا 

 في سنة 1814 م أرادت أمينة هانم زوج محمد علي أن تؤدي فريضة الحج ،  فوصلت إلى جدة و حملت إلى مكة في عربة مقفلة يجرها اثنان من جياد الخيل و نقلت أمتعتها إلى مكة على 500 جمل فكانت هذه الأمتعة من الجلال و الفخامة بحيث تليق بالملوك ، و نصب صيوانها في سهل عرفات فكان أفخم و أجمل ما نصب في هذا المكان من الصواوين ، وضربت بالقرب منها اثنتي عشرة خيمة لنزول صاحباتها ، و كان يحيط بهذه الصواوين سياج من قماش الكتان محيطة 800 خطوة و يقف الأغوات بباب هذا السياج بملابسهم المزركشة الجميلة ، أما الرجال من حاشيتها فقد نصبوا خيامهم حول السياج من الخارج و كان نقش الصواوين و تطريزها و تنوع ألوانها مما يحار العقل في تصويره و يعجز اللسان عن وصفه .و عوّل محمد علي على أداء فريضة الحج فأحرم بشالين كبيرين من الكشمير الابيض ، ثم امتطى جواداً و هو مكشوف الرأس للسعي بين الصفا و المروة ، و كان أحد كبار الجند يظله وقتئذ بظلة .و فرح الأهلون بفخامة المحمل المصري و ما أحاط به من مظاهر الأبهة و الجلال و أعجبوا بمنظر جنود الحرس ، و علقت مائة مصباح كبير في وادي منى للإرشاد إلى موقع مخيم محمد علي ، و أنشأ أمام صيوانه حوضين كبيرين ليستقي الحجاج منهما ما شاءوا ، وصف أثني عشرة مدفعاً لإطلاق النار ، و علق جثتين من العربان سلبا أحد الحجاج 300 قرش و 12 جمل !
و قد زاره كبار الأعيان ممن كانوا يحجون من جميع الأقطار  و قاضي مكة و و أدوا  فروض التعظيم و الإجلال و تشرف رؤساء الجند و كبار القواد بلثم يده .

الحاج ابراهيم بن محمد علي :وصل ابراهيم باشا إلى الحرم النبوي فنظر إلى قبته الرصاصية العالية تعلوها أكرة مذهبة فوقها هلال مذهب ، فقام بما هو مفروض على كل مسلم في العالم أن يؤديه من شعائر الزيارة ، و كان رجال حرسه قبل وصولهم قد تطهروا  و تضمخوا بالمواد العطرية .أطال إبراهيم النظر في جهة من الحرم كان بها مئذنة كان بلال الحبشي يدعو منها إلى الصلاة ، ثم صعد في الدرج المؤدي إلى الباب المسمى الاّن باب السلام ، و ذكر السمهودي أنه كان يسمّى قبلاً بباب مروان ، فشهد جوانبه المكسوة بالمرمر و نقوشه البارزة ، و اجتاز بقدمه اليمنى عتبه المبلط بالرخام الجميل ... ثم سار متحرك الشفتين بالأدعية و الصلوات في طريق فرش بالحصر و حفت به أعمدة من الحجر متصلة الإسطوانات بالأرض متجهاً نحو الروضة ، فركع أربع ركعات على سجادة صوف في الصف الأول من الحاجز الموازي للجدار الجنوبي ،  ثم تقدم بسكون و تؤده نحو الشباك الأخضر الذي يليه الضريح النبوي ، فوقف أمامه باسطاً يديه مسلماً بقوله : السلام عليك يا محمد .. السلام عليك يا رسول الله .قضى ابراهيم بضع دقائق في التأمل ثم تراجع إلى الخلف ثلاث خطوات و ركع أربع ركعات أخرى ثم تقدم نحو الشباك الأيسر ليسلم على أبي بكر الصديق ثم إلى الشباك الذي يقابل ضريح عمر بن الخطاب .توسل ابراهيم أمام الأضرحة الشريفة أن يشتت شمل الأعداء ( الوهابيين ) و يجعل جهنم باءة لهم .
دعى له إمام الحرم النبي بالنصر و أمّن على دعائه ابراهيم و أقسم أن لا يدخل السيف في غمده إلا إذا فتك و أفناهم ، و أن يعتق إذا ما كلل بالنصر جميع ما ملكت يمينه من الأرقاء بيضاً وسوداً ، و الا يشرب ما بقي حياً خمراً أو شراباً حرمه القراّن ، و أن يذبح 3000 كبش على جبل عرفات ..... ثم وضع على الضريح النبوي عقداً ثميناً من الجواهر كانت سلمته له والدته أمينه هانم لإهداؤه إلى الضريح الشريف .

و أجزل ابراهيم العطاء لكل من قابله في الحرم .

فتعالت الأدعية لإبراهيم داخل الحرم و خارجه و ما من مسكين إلا و اطلق لسانه بصالح الدعوات له بالنصر .

ثم خرج و زار قبور البقيع و دعا و صلّى أمام قبور اّل البيت النبوي و منهم إبراهيم بن النبي و بعض نساء البيت الشريف و وقف أمام قبر العباس بن المطلب ثم الإمام مالك بن أنس و عثمان بن عفان و الحسن بن علي  .

 
 
المصدر :
مصر في القرن التاسع عشر تأليف: أدوار جوان و تعريب : محمد مسعود و أمر بتعريبه سمو الأمير يوسف كمال  


الاثنين، 14 أغسطس 2017

علي بهجت





رسالة اعتذار 

إلى علي بهجت 






أستاذي المحترم :

بعد التحية و السلام ووافر الإحترام .. أكتب إليك رسالة علنية لك و لقارئي أتكلم فيها عنك و لك ، رسالتي إليك هي اعتذار مني اعتذار عن مصر، فاعتذاري لجهلي  بمقامك و علمك لسنين طويلة ، فلم أعرفك حق المعرفة إلا منذ سنوات قليلة حين بدأ شغفي بالأثار الإسلامية و التاريخ المعاصر ، أما اعتذار مصر بلدك فلأن من تولى أمورها لم يكن في مقامها و لا مقام علمائها فانشغلوا بتوافه الأمور و نسوا التعريف بقامات رفيعة مثلك لينزلوهم قدرهم الذي يستحقون.. في بلد تستحق أكتر مما تعيشه في حقبة إمتدت لما يقرب من 60 سنة .

أعلم أستاذي أن الكثير مما سأكتبه لك لن يسرك فحال تراثنا بائس و تولّى أمره من أهمله ، و من جهله و جهلنا و كأن هناك من يسعى لمحو ذاكرتنا هل تعلم أن الكثير من جيلكم جيل الرواد لا يعرفه جيلنا و لا من جاءوا بعدنا ؟


سأحكي عنك و اشتكي لك و يشاركني في خطابي قارئي فهذه رسالة علنية ، أعلم أنك كنت ممن لا يسعون إلى الشهرة و لا المناصب مع كل ما فعلت و كتبت و كشفت لكن حقك علينا أن يخلد اسمك ليس فقط في اسم شارع أطلقوا عليه اسمك في الزمالك ... فهذا إن كان يرضيك لا يرضيني و لا أظن أنه يرضي قارئي فمقامك أرفع من ذلك .

جيلكم استاذي كافح كثيراً لتنوير المصريين و عانيتم من المحتلين و شققتم طريقاً الجم الأجنبي الغريب لكفاءتكم فتبوأتم مناصب بشق الأنفس ليس حباً فيها و لكن لأنكم كنتم الأحق بها ، لكن جاء زمان تولّى أمرنا من أهال التراب على تاريخكم الحافل و غيب ذكراكم و افعالكم في بحور من الجهل ، لكن أتى وقت يحاول البعض الاًن أن يزيح التراب و يفك العصابة السوداء التي وضعوها على أعيننا ، نتلمس خطاكم و نتزود من  ذكراكم علًنا نجد سبيلاً للخروج من هذا الجب المظلم و قد نكون سبباً لتمهيد الطريق لأجيال بعدنا تصلح حال مصر التي عشقناها حتى الألم .

دعني أحدثك عن ما عرفته عنك ، أعلم أنك مصري من أصول تركية ولدت في قرية بها العجوز في محافظة بني سويف سنة 1858م.
درست في القاهرة في مدرسة الناصرية ،  ثم التجهيزية ، ثم التحقت بمدرسة المهندسخانة التي لم تستهويك كثيراً فتركتها لتلتحق بمدرسة الألسن و تتخرج منها و أنت تتقن اللغات العربية ، و الألمانية ، و التركية و الفرنسية ثم درست الإنجليزية بعد تخرجك ،  كما علمت أن الشيخ حسونة النواوي و الذي أصبح فيما بعد شيخاً للأزهر كان أحد أستاذتك و تأثرت به كثيراً ليس فقط بسبب علمه و لكن بسبب خلقه .

الشيخ حسونة النواوي

بدأت حياتك العملية مدرساً للغة الفرنسية ثم مفتشاً لنفس اللغة في عدة مدارس ،  منها المدرسة الخديوية ثم أصبحت رئيساً لقلم الترجمة في نظارة المعارف و أنك انتدبت من قبل رؤسائك  للعمل مع البعثة الفرنسية للاثار  بجوار عملك الحكومي لتقوم  بترجمة النصوص العربية المنقوشة على اثارنا لهم ،  فزاملت العالم الكبير كازانوفا أحد الاباء المؤسسين من الأجانب في دراسات الأثار الإسلامية في مصر .... و لم تكن تعلم أنك ستكون في يوم ليس ببعيد الرائد المصري الأول لنفس العلم .. و لكنها الأقدار و كأن الله اراد لك طريقاً اخر غير مهنة التدريس و الترجمة ... و هنا أريد أن أسألك أبدأ شغفك بالاثار حينها ؟ أم قبل انتدابك ؟ فحين كنت ابحث عنك بين سطور الكتب لم أجد ما يدلني على نقطة البدء !


نعود مرة أخرى لقلم الترجمة في نظارة المعارف و الذي كنت ترأسه ووضعك منصبك هذا في وجه المستشار الإنجليزي دوجلاس دانلوب و الذي كان معروفاً بصلفه و عجرفته و تدخله في شئون النظارة و عملك بها و لم تقبل أنت ،  و توالت الصدامات بينكما فقررت ان تفضح ممارساته على صفحات جريدة المؤيد و تكتب ما كان يخفى على العامّة من تصرفات هذا الدانلوب و كانت مقالاتك بدون إمضاء ....إلا أن دانلوب لم يكن من العسير عليه بعد أن فضحت ممارساته أن يعرف من كاتب  المقالات و كاد أن يقيلك من منصبك و ينهي عملك تماماً في الحكومة لولا أن تدخل يعقوب أرتين باشا وكيل نظارة المعارف و كان عضواً باللجنة العربية لحفظ الاثار و عينك في اللجنة و رشحك لتولي منصب مدير دار حفظ الأثار العربية و الذي كان حينها في جامع الحكام بأمر الله ، و مرة أخرى يتدخل أجنبي اخر ليقتنص منك منصب الإدراة ، و كان هذا الأجنبي هو هيرتس بك كبير مهندسي لجنة حفظ الاثار العربية فأخذ المنصب له و عينك و كيلاً له ... غضبت أنت و كدت أن تترك العمل و تحال للمعاش إلا أن كفاءتك في العمل جعلت رؤساءك يتمسكون بك ، و أكملت الطريق ، و أكلمت العطاء .




يعقوب أرتين باشا 


دار الاثار العربية في مسجد الحاكم بأمر الله 


 انتقل المتحف إلى المقر الجديد سنة 1903 م في باب الخلق و استمر الوضع على ما هو عليه مرؤوساً من هيرتس بك و لم يكن يحسن معاملتك و يثقل عليك بالعمل الكثير لكنك أثبت له أنك كفؤ... بل أحياناً تفوقت عليه في العمل ، فلم يأتمن غيرك على ترجمة دليل المتحف و ايضاً ترجمة كتابه عن السلطان حسن من اللغة الفرنسية إلى العربية ، لم تكن المضايقات فقط من الأجانب و لكن أيضاً من بعض المصريين مثل علي باشا مبارك الذي وصفت أنت العمل معه بأنه عمل كالسخرة  ، فقد حملك علي باشا مبارك أن تعد المادة العلمية لمؤلفه الأشهر الخطط التوفيقية و لكنه أغمط حقك و لم يذكر اسمك في موسوعته !!
كيف تحملت هذا استاذي الم تحبط ؟ ألم تيأس ؟ كيف كنت ترتب وقتك و تنظمه بين عملك في اللجنة العربية و عملك في المتحف و ترجماتك و أبحاثك ؟



دار الأثار العربية في باب الخلق


دار الأثار العربية من الداخل 


حاولت جاهدة أستاذي ان أحصي قدر ما استطعت مما أنجزته فللأسف أغلبه ليس متاح للإطلاع عليه فاعذرني إن لم أكتب كل مؤلفاتك و أبحاثك :
1- تحقيق مخطوطة صبح الأعشى للقلشندي و قدمت عنه بحثاً في مؤتمر المستشرقين في روما سنة 1899 م مما لفت الإنتباه له فقررت دار المخطوطات الخديوية طباعته و اصبح بين أيدينا اليوم .
2- اكتشاف وثيقة زواج مينو قائد الجيش الفرنسي من زبيدة الرشيدية و تقصيك لعائلة زبيدة و تتبع أخبارها .
3- اكتشافك في مكتبة اكسفورد لمخطوط ديوان الرسائل لابي القاسم بن منجب بن سليمان و هو من أهم كتب الرسائل في الدولة الفاطمية ، فنسخت المخطوط بيدك و قدمت له شرحاً و طبعته في كتاب على نفقتك الخاصة سنة 1905 م .
4- ترجمة أول دليل لمتحف الاثار العربية .
5- ترجمة محاضر لجنة حفظ الأثار العربية .
6- كتابة قاموس الأمكنة التي ورد ذكرها في الفتوح .
7- أبحاثك عن خانقاه الأشرف برسباي و بابه المكفت بالخانكة محافظة القليوبية .
8- كتابك عن الفسطاط مع ألبير جبريل .
9– بحثك عن الرنوك المملوكية .
10-بحث عن البيمارستان المنصوري .
11- بحث عن صناعة النسيج بمصر في العصر الوسيط
12- بحث عن احتلال دمياط إبان الحروب الصليبية السادسة .
13 – مشاركاتك المستمرة في مؤتمرات المستشرقين في اروربا و تقديم أبحاث بها عن مصر .

هذا بعض ما استطعت أن أجمعه من أعمالك فعذراً للتقصير .


الغلاف الخارجي كتاب السلطان حسن كتبه هيرتس بك بالفرنسية و قام بتعريبه علي بك بهجت  

الصفحة الأولى من كتاب السلطان حسن و به إسم علي بك بهجت 



اسمحلي أستاذي أن أتكلم عن بعض خطاباتك مع صديقك و تلميذك الباحث العالم ماكس فان برشيم أو كما كنت تسميه أنت وانبرخيم  و التي أبكيتني و اضحكتني فيها كثيراً ، فهذه العلاقة التي ابتدأت مع الباحث ماكس السويسري و الذي كان يعمل على توثيق الخطوط العربية في مصر و العالم الإسلامي و كان مهموماً بحال الأثار الإسلامية فشاركك شغفك فبدأت بينكم علاقة استاذ بتلميذه تفض عليه من علمك ....و تطورت مع الايام لتصبح صداقة استمرت 33 سنة أثمرت عن اعمال عظيمة فلم تكن فقط تعلمه البحث في الاثار الاسلامية و لكنك ايضاً كنت تدربه على اللهجة العامية فكانت خطاباتكم مزجاً بين علم الأثار و علم الأساطير الشعبية تتنقلا فيها ببراعة بين اللغة الفرنسية و اللغة العامية المصرية بلهجاتها المختلفة .
من خطاباتكم و لقاءاتكم تشاركتما الحلم في توثيق اثار العالم الإسلامي بدأتما بالقاهرة و أنجزتما موسوعة عن القاهرة سوياً و سافرت أنت و هو كل منكما على حدة لتوثيق الأثار في عدة بلدان فزرت أنت الاراضي الحجازية ، القدس ، الخليل ، حيفا ، بيت لحم ، دمشق ،  بيروت ، بعبلبك و زحلة .
فكان هذا الجزء نواة لمؤسسة أنشاتها ابنة ماكس برشيم في جينيف بسويسرا سنة 1973م  بعد وفاتكما سميت باسمه مؤسسة ماكس فان برشيم للدراسات العربية و الخطوط و الأثار الإسلامية .

الباحث المستشرق ماكس فان برشيم 


استمرت خطاباتكم بإمدادي بمعلومات عنك فرأيتك مرات تستخدم لغة كتب التراث ، و مرات لا عد لها تستخدم اللهجة العامية المصرية و أحياناً تمزج بين الإثنين مثل هذه الفقرة :
( بعد اهداء السلام اللائق بالمقام ، أخبر حضرتكم إني بعد ما فتك رحت الديوان ، فقال لي حضرت نجيب بك  : تحب تسافر دلوقت و لا قدام شوية ؟ فقلت في نفسي بما إن مسيو وانبرخم مسافر أنا كمان أسافر ، و على كده أخدت مصاريف التذكرة لحد بني سويف و مشي بينا الوابور الساعة 8 و نصف ماجت الساعة 11 ونصف الا و احنا في بني سويف  نزلت من الوابور و مشيت على المدرسة .. أقول لك إيه و أعيد لك ايه أصل البنيان بتاعها ورشة قماش قديمة من مدة محمد علي ، و فيها أود من 
غير عدد و التلامذة في قلبها مش باينين ... النهاية لما دخلت المدرسة فضلت أدور على الناظر سلقط ملقط ...... ) .

و في خطاب أخر كم كنت رقيقاً في التنبيه على تلميذك حرصاً منك أن لا يقع في أي خطأ و هو يكتب مادته العلمية فقلت له :
(أنا مستعد لأي خدمة تطلبها ، فاكتب لي أجيبك على الفور ، فإني لا أحب أن تظهر شيئاً قبل أخذ رأيي فيه فتغلط لا سمح الله كما 
 يغلط الأخرون )
أما عن تواضعك فيظهر جلياً حين تبعث بخطاب إلى ماكس تساله عن رأيه في كتابك المنشور و الذي اشاد  به  الباحثين و هو 
كتاب قانون  ديوان الرسائل  :
(و إني أنتظر أن تقول لي قرأته و تخبرني بملاحظاتك عليه ، و ما الذي تفكر فيه هل هو معمول كاللازم أو فيه عيب ؟ ) و بالفعل تم نشر الكتاب و لكن ما لم تكتبه في هذه الرسالة هو كشفك أيضاً عن بعض أجزاء سور صلاح الدين الأيوبي .



و الان أستاذي دعنا نتكلم عن كشفك الأعظم مدينة الفسطاط التي بدأت رحلة كشفك لها سنة 1912 م و لمن لا يعلم أن كشف 
الفسطاط لا يقل أهيمة عن كشف مدينة منف أو اي من المدن  المصرية القديمة ، و حين أتأمل ظروف هذا الكشف أشعر و كأن السماء قد أرشدتك إلى هذا الكشف ليكون لك سلواناً عن حوادث فَقْد أثرت فيك و حفرت على قلبك أخاديد الحزن ، بدأت بتغييب الموت زوجتك الحبيبة ثم  أخاك و ووالدك و أخيراً ابنك محمود  ، لن أحكي أنا عن كشفك عن دروب و بيوت الفسطاط  ستتكلم أنت عنه من خلال خطابك الذي ارسلته لماكس برشيم فقلت له :
(  إنني كما تعلم مشتغل بالفسطاط و بدار الأثار ، أما الفسطاط فعملي فيها قد أتى لله الحمد مسلياً نوعاً ما ، شاغلاً معظم وقتي ، فقد كشفت فيها جانباً عظيماً و خططنه ، و ابنت الطرق و الحواري ، و الخوخات ، و رسمت كل ذلك في خارطة ، ثم قرأت ابن دقماق و المقريزي و غيرهما من الكتب التي تكلمت عن الفسطاط ، و لخصت من ذلك رسالة في وصف المدينة و ما كانت عليه ، ثم اّلت إليه ، و أتعشم أني وفيتها حظها من البحث ، و سأطبع هذا البحث على حدة في شتاء العام المقبل ، و سيكون في هذا الكتاب ايضاً خريطة المدينة المكشوفة ، ورسم لبعض دور المدينة و أتكلم عن تخطيطها و ترتيبها و لكني سأستعين في هذا العمل الفني بأحد المهندسين أرباب الفن و هذا العمل ينتهي إن شاء الله الشتاء الاّتي )

الصورة لأعمال الحفريات التي قام بها علي بك بهجت للكشف عن مدينة الفسطاط 



صورة توضح أطلال مدينة الفسطاط  



هل تود أستاذي أن تعرف حال الفسطاط الأن و حال هذا الجزء الذي اكتشفته من سور صلاح الدين ؟ سأخبرك لأنك يجب أن تعلم .. لقد أهملوا الفسطاط و تركوها تصبح خرائب تنبت بها الأعشاب و ترعى فيها الهوام و تغرق في المياه الجوفية أما السور فقررت حكومات مصر انشاء حديقة لا يدخلها أحد على جزء من سور صلاح الدين ، و ما زالت الجرائم مستمرة و نحن فرادى نحاول أن نوقف التعديات بكل السبل المشروعة المتاحة أمامنا ، و نحن نعلم أنها معركة غير متكافئة بيننا و بين الحكومة و لكني مرة أخرى أجدني أستلهم منك الطاقة و الجلد فلم يكن عملك في الفسطاط هيناً ،  أنت أيضاً واجهت صعوبات جمة حتى سمح لك بالتنقيب ... الم اقل لك أن في اخباركم سلوى لنا !


صورة حديثة للفسطاط و يظهر أعلى الصورة التعدي بالبناء على موقع الفسطاط الأثري و في منتصف الصورة يظهر أرتفاع منسوب المياه الجوفية ، أما أسفل الصورة أطلال أحد البيوت التي ترجع للعصر الطولوني


صورة حديثة للفسطاط و تظهر بصورة واضحة انتشار النباتات الضارة بالموقع الأثري 

في هذا الجزء من رسالتي لك سأترك الأثار جانباً لنتكلم عن ملمح اخر من شخصيتك فأنت كنت مصري وطني لم يكن لك عمل سياسي مباشر كبعض السياسين المصريين في وقتكم لمجابهة الاحتلال بشكل مباشر ،  و لكنك كنت مساهماً بشكل غير مباشر في الحركة الوطنية المصرية ...
حين تأزمت أحوال النخبة السياسية في مناهضة الاحتلال الإنجليزي و تم التضييق عليهم في مصر فتحت أنت لهم الباب عن طريق صديقك ماكس برشيم لسويسرا لأنها كانت على الحياد في المسألة المصرية فسهلت لأحمد لطفي السيد و لمحمد فريد و غيرهم السفر ، و من هناك حاولوا لفترة تحريك الموقف لصالح مصر و عاد من عاد منهم ليستكمل الطريق .
علمت أيضاً أنك لم تكن عضواً فاعلاً في أي حركة سياسية و لكنك تعاطفت مع الحركة العرابية ثم تفاعلت مع ثورة 1919م و أرى أن عدم انخراطك في السياسة بشكل مباشر أفادنا نحن لأنك قررت أن معركتك الحقيقية و التي ستصلح فيها ، هي حقل الاثار و الحفاظ على الهوية و صوْن كنوز مصر من النهب .


كنت ثاني مدير يتولى دار الأثار العربية بعد رحيل هرتس بك إبان الحرب العالمية الأولى و كنت أول مدير مصري يدير هذا الصرح فأضفت له الكثير و تزايد عدد المعروضات في المتحف بعد كشوفاتك في الفسطاط و غيرها ، و هي من أنفس المعروضات في المتحف إلى الان .
كما أن اسهاماتك في لجنة حفظ الاثار العربية و أبحاثك التي قدمتها في المجمع العلمي المصري و الذي كنت فيه عضواً بارزاً و مشاركاتك في مؤتمرات المستشرقين في عدة بلدان بأروبا قد أفادت أجيالا بعدك مصريين و اجانب و مهدت الطريق لعظماء اخرين استلموا الراية و أكملوا الطريق . 


لم يكن طريقك هينا ً سهلاً و أنك كثيراً فكرت في أن تترك كل شئ و ترحل عن مصر .. راودتك فكرة الهجرة كثيراً و لكن أكملت  رسالتك في مصر و انهيت بها حياتك .. هل تعلم كم منا اليوم ترك مصر ؟ و هل تعلم أني كثيراً ما راودتني و راودت غيري نفس الفكرة بأن نرحل ؟ و لكن حب هذه البلد اصبح تعويذة او طلسماً لا فكاك منه و يظل بها شيئاً ما ساحراً يربطنا بالأرض .


مع كل الصعوبات و الإنكسارات قاومت حتى جاءك الخبر المفزع عن انتحار صديقك ماكس في سويسرا سنة 1921 و كأن قلبك كان قد اكتفى من لوعات الفَقْد فلم يكن بك جَهد للمقاومة أكثر من ثلاث سنوات ثم  لحقت به سنة 1924 في بيتك بالمطرية الذي بنيته و أثثته على الطراز العربي سارت جنازتك خلواً من أي مسئول رسمي شيعك فقط أصحابك و أقاربك إلى حيث اخترت يوماً مقبرتك بجوار مسجد قايتباي بصحراء المماليك فوريت التراب بجوار مباني افنيت عمرك في دراستها .


مسجد و قبة ضريح قايتباي بقرافة المماليك و الذي يقع قبر علي بك بهجت إلى جواره 


حين أدخل المتحف الاسلامي أتذكرك و أتمنى هم أن يتذكروك من حق هذه الأجيال أن تعرفك كما عرفتك أنا ، من حق هذه الأجيال و من سيأتي بعدنا أن يزور قبرك ليشكرك و يقرا عليك القصيدة التي كتبها أحمد شوقي ينعيك فيها و استهلها بهذا البيت الرائع :

أحقُّ أنهم دفنوا عليَّا      وحطُّوا في الثرى المرءَ الزكيّا؟

أستاذي أطلت عليك و لكن شكراً لك على كل ما قدمته لنا و في الختام لك مني أطيب السلام و عظيم الامتنان من معشوقتك  المحروسة .




المصادر :
 كتاب أنور لوقا / علي بهجت أول أثري مصري

 Who’s pharaoh : Donald Malcom Reid 
مقال علي بهجت رائد من رواد المدرسة الوطنية لعلم المصريات / وائل ابراهيم الدسوقي
علي بهجت الأثري و المجمع العلمي / حسين فوزي
 حفريات الفسطاط / علي بهجت – ألبير جبرييل
 حكاية مكتشف الفسطاط / دكتور عماد أبو غازي
The official web site of : M.V.B foundation
شكر خاص :
مركز طارق والي للعمارة و التراث

الصور :
الصور الحديثة من تصوير سالي سليمان
الصور القديمة :
من أرشيف مركز طارق والي 

السبت، 22 أبريل 2017

على باب الأبدية



على باب الأبدية 

 حكايات و شخوص في رحاب الإمام

قررت يوماً أن أمشي على غير هدى للبحث عن الجمال في وسط العدم ، أسير في دروب ملتوية ، أترك خلفي ضريح الإمام الشافعي تغازلني قبته  ، فأطوف كالحمام حواليها ، ليس تبركاً بالمقام  و لكن بحثاً عن ماض و لّى و لم يعد يذكره أحد .

كالمجذوبة كنت في هذه الدروب.... أسأل كل من مررت به عن ضريح أو قبة تشققت جدرانها أو شامخة ما زالت ،  تنبئ 
عن عز و جاه كان في يوم ما صفحة  من صفحات التاريخ .

هنا يفاجئني الحظ بقباب ضخام تطوي حكايات لشخصيات كانوا يوماً ما ملئ السمع و البصر ، واراهم التراب و نسيهم حتى الأحباب .
خلف الجدران سياسي عظيم ، قائد ثورة ، أمير علوي أو أميرة  بنت عز و جاه .... شخصيات كثيرة تجمعت في رحاب الإمام .
حين كنت أدخل و أقف أمام شواهد الخلود كانت تتقاذفني مشاعر كثيرة ،  تختلط بأصوات أكثر ، بين صمت و جلال الموت و ضحكات أناس بالخارج يتعايشون مع الموت كمشهد رئيس في حياتهم التي كثيراً ما أعتمدت على الموت لتكسب الحياة !

حكايات تدور أمامي بين فَضولي يريد أن يعرف لم أهتم بمقابر هؤلاء ،  و بين من خط الزمان على وجهه ألف حكاية يحكيها بلسانه عن هؤلاء الراحلين و قد شهد في طفولته بعضاً من عزهم ،  أصوات شتى تلفني في وسط صمت الموت .
سر معي قارئي لترى بعضاً مما رأيت :

ذات الشاهد المرمري الأميرة  نعمت الله بنت الخديو  اسماعيل :




ولدت في 24 سبتمبر سنة 1875 م تزوجت من سمو الأمير إبراهيم أحمد باشا بن أحمد رفعت ناظر الأشغال و الزراعة ، توفي عنها سنة 1894 م ثم تزوجت مرة أخرى في 4 سبتمبر سنة 1896 م في تركيا محمد مختار بن غازي أحمد مختار . توفيت سنة 1945 و دفنت في مقبرتها بالإمام الشافعي .
بصوت غاضب يحكي رجل تجاوزت عمره السنين عن هذه المقبرة  و العز الذي راّه قائلاً : صادروها لصالح فقراء المصريين اقرأي الشواهد لتعلمي أن بعد المصادرة دفن الأسياد الجدد ، أنا هنا منذ زمن رأيت عز المكان ،  حين كان يبعث أسبوعياً من السراي طعام للفقراء و كساوي لهم ، بعد أن استولت الحكومة على المكان قسموا الأرض بين الأسياد الجدد و نسوا الفقراء رحم الله سمو الأميرة كانت ترعى المكان هي و باقي عائلتها ،  المكان كان مقسم جزء لمدفنها و جزء مدفن 
لخدمها و أنا منهم و جزء حتى لحيوانات السراي .... راحت أيام العز .



شاهد قبر الأميرة نعمت الله اسماعيل و زوجها محمد مختار



صورة توضح الاسماء المذهبّة على شاهد القبر المرمري 



صورة عامّة توضح شكل المبنى الذي يحوي الضريح 


ادريس بك راغب :



عطوفة ادريس بك راغب 



يافطتين متجاورتين و سلسلة ضخمة بقفل كبير لا يرحب بأحد ، مكان سري للغاية يناسب صاحب القبر و منصبه الذي تحوم حوله الأساطير .
هو العالم الرياضي المحقق نجل اسماعيل  راغب باشا بن ادريس معتوق محمد علي والي مصر .
ولد في سنة 1863م بمصر .
تلقى العلوم في منزله على يد أساتذة استحضرهم والده اسماعيل باشا ، ترقى في المناصب بعد أن أتم تعليمه ليصبح نائب قاضي في محكمة مصر الإبتدائية الأهلية ثم أصبح رئيساً لنفس المحكمة .
انضم إلى المحفل الماسوني حتى وصل إلى أعلى رتبة و هي الرئيس الأعظم للمحفل الأعظم الوطني المصري ، كما كان 
عضواً مؤسساً للنادي الأهلي و تولى رئاسته  بين 1906 -1916  م .


اسماعيل باشا بن ادريس أفندي 


رؤساء النادي الأهلي و منهم ادريس بك راغب


يافطة تحمل اسم ادريس بك راغب 

أنشأ هذا المدفن الحاج ادريس أفندي معتوق جنتمكان محمد علي والي مصر 




أحمد عرابي باشا :


من اللافت في قبره المتواضع جداً وجود العديد من الصور المطبوعة و كأنه ما يزال يزأر بثورته الكل هناك يعرف مكان قبره لم ينسوه !
ولد عرابي باشا في قرية رزنة بمحافظة الشرقية في مارس سنة 1841 م ، أخذ قسطاً من تعليمه بالأزهر الشريف ثم التحق بالجيش و تزوج من أخت زوجة الخديو توفيق بالرضاعة .
ترقى في الجيش حتى وصل إلى رتبة أميراّلاي المشاة و ظل يشغل هذا المنصب حتى قيامه بالثورة التي حملت اسمه ( الثورة العرابية ) حين تحرك و أنصاره في 9 سبتمبر 1881 م مطالباً بعزل رئيس النظّار مصطفى رياض باشا و تشكيل مجلس النواب و زيادة عدد الجيش من المصريين .
تحققت بعض مطالبه و تولى نظارة الحربية في نظارة محمود سامي البارودي و لكن احتلت مصر من الإنجليز 1882 م و نفي هو أنصاره إلى سيريلانكا في عهد الخديو توفيق ثم صدر العفو العام عنه و رفاقه في عهد الخديو عباس حلمي الثاني .
توفي سنة 1911 م .













الوزير الثائر الشاعر محمود سامي البارودي:




ضريحه لا يفتح لغريب فاكتفينا بالتقاط صورة لإسمه .



ولد لأبوين من أصول شركسية سنة 1838 درس في مدرسة المبتديان ، مدرسة الأسر المرموقة ثم التحق بالمدرسة الحربية و تخرج منها برتبة باش جاويش و انضم إلى الجيش العثماني بتركيا و خلال اقامته بالأستانة أتقن اللغة العثمانية و الفارسية .
عاد إلى مصر و التحق بالمعية الخديوية و عين ياوراً للخديو اسماعيل ثم محافظاً للقاهرة ، في عهد الخديو توفيق تولّى نظارة المعارف ثم نظارة الحربية ، و حين قامت الثورة العرابية كان من أشد أنصارها و تم نفيه مع رفاقه إلى سيريلانكا .
الف ديواني شعر و يعد من شعراء النهضة المصريين .
توفي سنة 1904 م .


الباشا رئيس النظّار شريف باشا :


من أول نظرة للقبة الفخيمة و حوائطها المحفورة بأنامل ذهبية تدهش من الإبداع ، حين تصل إلى شاهد قبره تنتابك رعدة إجلال كأنك بحضرته فعلياً ...فخامة شاهده بأوشحته المنقوشة تأمرك بأن تستأذنه بالوقوف أمامه ...و مع ذلك هو مكان يرحب بك و ينسيك أنك في مقبرة !

شاهد قبر شريف باشا و يجاوره شاهد قبر نجله 

شريف باشا المولود سنة 1862 م على الأغلب في مدينة قولة و قيل القاهرة لا نعلم حقيقة مكان مولده و لكن نعلم أن محمد علي باشا شمله برعايته و ألحقه بمدرسة الخانكة التي يدرس بها أولاده و أحفاده ، ثم ارسله في البعثة الخامسة من بعثات الأنجال إلى باريس ليلتحق بالمدارس الحربية هناك ، و عند عودته التحق بالجيش المصري تحت رئاسة سليمان باشا الفرنساوي و الذي تزوج شريف من ابنته ليصبحا فيما بعد أجداد الملكة نازلي ملكة مصر و أم ملك مصر فاروق الأول .
تولى شريف باشا رئاسة وزراء مصر أربع مرات و يعتبر أحد مؤسسي البيروقراطية الحديثة في مصر و اباً للدستور المصري و لاعب رئيسي في سياسة مصر و تاريخها الحديث .
يحمل اسم شريف باشا ثلاث شوارع الأول  في قلب مدينة القاهرة و الثاني في ضاحية حلوان أما الثالث فهو في مدينة الإسكندرية .

شكل عام لقبة ضريح شريف باشا 


من تفاصيل الحفر على الحجر على جانب حوائط الضريح الخارجية و زهرة اللوتس عنصر اصيل في الزخرفة 


قبة الضريح من الداخل الصورة للأستاذة عاليا نصّار 



سعد زغلول باشا  1919 :





من منا لا يعرف ضريح سعد أمام بيت الأمة ؟ ذاك القبر الفخيم الذي صممه المعماري الشهير مصطفى فهمي على طراز المعابد الفرعونية ، و لكن هذا ليس مرقد سعد باشا الأول فقد دفن سعد في رحاب الإمام الشافعي حين وافته المنية سنة 1927 م حتى تم بناء ضريح سعد الشهير سنة 1931 م .
القبر رحب مفتوح للجميع كبيت الأمة يوماً ما ..بخط واضح مقروء كتب اسم سعد زغلول ، تجلس بجواره سيدة كبيرة في 

السن لا تعلم سبباً لمجيئنا إلى قبر خاوٍ ليس به أحد ...هي لا تعرف من هو سعد !


ضريح سعد زغلول في رحاب الإمام الشافعي الصورة من داخل الضريح 


ضريح سعد زغلول من الخارج 

سعد زغلول الذي شغل مصر لسنوات طويلة و انشغل بمصر و مصيرها ، ولد سنة 1859 بمحافظة الغربية ، أخذ قسطاً من علومه بالأزهر الشريف كما حضر دروساً للشيخ جمال الدين الأفغاني و الشيخ المجدد محمد عبده .
ترك دراسته بالأزهر و عمل محرراً في القسم الأدبي لجريدة الوقائع كما عمل معاوناً في نظارة الداخلية و شارك في الثورة العرابية فتم فصله من وظيفته و سجن .
بعد خروجه من السجن عمل بالمحاماة التي كانت لا تطلب حينها شهادة في القانون و لكن سعداً أصر على السفر إلى باريس ليتعلم الفرنسية و يدرس القانون سنة 1897 م .
ترقى في السلم الاجتماعي بزواجه من السيدة صفية هانم بنت مصطفى فهمي باشا رئيس وزراء مصر .
 دوى اسمه حين أصبح من زعماء ثورة 1919 م ليصبح السياسي الثائر و نفي إلى مالطا ثم إلى سيشيل ، غنى له المصريون و شخصت أبصارهم إليه ، تولى عدة نظارات منها المعارف و الحقانية و صال و جال لتخليص مصر من براثن الاحتلال الانجليزي ، مات سعد قبل أن يشهد مصر حرة و أصبح له قبرين قبر خاوٍ شعبي و قبر رسمي و لم لا و هو قد جمع بين الشعبوية و الرسمية !


شاهد لن ترى مثله شاهد قبر الأمير محمد وحيد :

الأمير محمد وحيد 

قابلنا شخصاً لمس شغفنا بما هو مدفون تحت القباب فدلنا على قبر سيف يجب أن تزوروه لن تشاهدوا مثله ....
 في الطرقات الملتوية مشينا حتى وصلنا إلى مبتغانا و فتح لنا الباب ذو السلاسل الضخمة و القفل الذي صدأ ، يحذرنا حارس الضريح من أن نتحسس خطواتنا جيداً فالمكان مهدد بالانهيار لأنه يسبح على بركة مياه جوفية نلحظها حتى في الجدران و تزكم رائحة الملوحة أنوفنا حتى نقف أمام هذا الشاهد !
حقيقة لم نشاهد مثله ، الشاهد مصنوع من الفسيفساء الملونة و المذهبّة مصمم على شكل مقدمة قطار
تقف مشدوهاً أمام دقة الصنع و لكن من هو سيف ؟

ضريح الأمير محمد وحيد مصمم على شكل مقدمة قطار و مصنوع من الفسيفساء الملونة و المذهبة 

نتمشى بين الأضرحة نقرأ ما هو مكتوب علنا نجد بداية الخيط لنعرف القصة ..
على شاهد اخر صنع من الرخام نقرأ اسم أحمد سيف الدين اّه ...هذا سيف الذي يقصد أخو الأميرة شيوه كار زوجة الأمير فؤاد  ( الملك فؤاد الأول لاحقاً ) ذاك الأمير الذي ضرب فؤاد رصاصات في كلوب محمد علي ثأراً لما عانته أخته في زواجها و لكن من صاحب الشاهد الأول !
قرأنا الاسم بصعوبة لنكتشف أن صاحب الشاهد هو أخوه محمد وحيد الدين بن ابراهيم أحمد بن أحمد رفعت بن ابراهيم باشا بن محمد علي  و أخو الأميرة شيوه كار لم يعش طويلا ، ولد في 29 أغسطس سنة 1879 م و مات في حادث سيارة في فرنسا  سنة 1906 و كان عمره 27 سنة .

خبر وفاة الأمير محمد وحيد في 20 أغسطس اثر حادث سيارة في فرنسا 

 تزوج مرتين الأولى من سمو الأميرة فضيلة زبيدة عثمان و الثانية من الأميرة صالحة حلمي و أحد اشهر أبناؤه النبيل عمرو ابراهيم صاحب القصر الشهير بالزمالك أمام بوابة نادي الجزيرة ( متحف الخزف حالياً )
لم نعثر على اية معلومة أخرى عن البرنس محمد وحيد الدين و ترك لنا شاهد قبر لن نرى مثله ابداً .

الصور المتتابعة من تفاصيل شاهد قبر الأمير محمد وحيد 





صورة لقبة الضريح من الداخل و هي قبة فريدة من نوعها معمارياً 


ها قد طفنا سوياً حول ضريح الإمام ، أزحنا الغبار عن منسيات القاهرة التي كلما غصت في تاريخها و اثارها و جدت  أنه ما زال هناك الكثير و ان الطريق طويل و لكنها لا تبخل على من سعى و أن حتماً هذا السعي سوف ُيرى ... فقط اسعى و ارتمي في دروب القاهرة لتسمع الحكايات و تتعرف على الشخوص فحتماً سترى .


المصادر :
Ottoman Egypt royal family – unknown other
دليل وادي النيل  الجزء الأول - ابراهيم عبد المسيح
مذكرات فخري عبد النور
مذكرات سعد زغلول – عبد العظيم رمضان
سعد زغلول زعيم الثورة – عباس محمود العقاد
ذاكرة مصر المعاصرة – مكتبة الاسكندرية
عصر اسماعيل – عبدالرحمن الرافعي
مصر الخديوية – نشأة البيروقراطية الحديثة – روبرت هنتر
مذكراتي في نصف قرن – أحمد شفيق باشا

شكر خاص :
مركز والي للعمارة الحفاظ على التراث
دكتور حامد محمد
الأستاذ محمد سليمان

التصوير :
سالي سليمان
تاريخ الصور فبراير – مارس 2017