الجمعة، 26 سبتمبر، 2014

القصر العالي _ التاريخ يعيد نفسه




التاريخ يعيد نفسه

القصر العالي



حين يذكر إسم إبراهيم باشا يتبادر الى الذهن حروبه الشتى ، مثل حربه فى الجزيرة العربية و المورة و الشام ...و لكن تكلم القليل عن انجازاته المعمارية كالقصر العالي و الذي اعتبر أهم منشأته المعمارية , هذا القصر الذي أطلق عليه القصر العالي أو دار المشوره, بناه ابراهيم باشا في بستان الخشاب (و هو ما سيصبح لاحقا منطقة جاردن سيتي ) الذي وهبه اياه والده محمد علي باشا على شاطئ النيل مباشرة
بدأت رحلة البحث عن القصر الذي اندثر بين أوراق الكتب و الخرائط و قصاصات جرائد قديمة و مجسم محفوظ فى فاترينه في المتحف الحربي بالقلعه و رحلة بحث شاقة عن صور قديمة للقصر لم تسفر الا عن معلومة ترددت ان مكتبة الاسكندريه لديها صورة وحيدة للمبنى لم نتمكن من الحصول عليها
(نرجو من لديه اي معلومه أخرى أن يفيدنا و له جزيل الشكر )


مجسم القصر العالي المعروض في المتحف الحربي بالقلعه 



المعلومة الوحيده المذكوره عن القصر بالمتحف الحربي بالقلعة 
نموذج القصر العالي بجاردن سيتي 



قصاصة من جريدة محفوظة بارشيف مكتبة الاسكندريه بها ذكر لقصر الباب العالي 



تظهر خرائط جراند بك لسنة 1874 م موقع القصر العالي يحدّه غربا نهر النيل و شرقا شارع القصر العيني و شمالا قصر أحمد باشا رفعت و جنوباّ الطريق الفاصل بينه و بين القصر العيني
كان القصر محاطاّ بسور و به حديقه بها أكشاك و زرعت بشتى أنواع الأشجار سواءاّ للزينة أو أشجار الفواكه و خاصة شجر المانجو و مكونا من مبنيين و تم الفراغ من بنائه سنة 1820 م و اشتهر بالقصر العالي , كما سمي ايضا بقصر المشورة لأن ابراهيم باشا عقد فيه أول مجلس للمشورة سنة 1829م
بعد وفاة ابراهيم باشا أصبح القصر ملكاّ للحكومه ثم وهبه الوالي عباس حلمي الأول إلى الأمير اسماعيل (الخديو اسماعيل لاحقا )
حينما اصبح اسماعيل باشا خديو مصر و هبه الى الوالدة باشا خوشيار هانم والدته بعد أن رممه و حفر على واجهته أول حرفين من اسمه و لقبه و رزق في هذا القصر بابنه محمد توفيق (الخديو توفيق )  K I
اعتنت الوالدة باشا بهذا القصر اعتناءّ خاصاّ و قامت أيضاّ بترميمه سنة 1863 م بعد أن تلفت بعض جوانبه جراء فيضان النيل , و اشترت له الأثاث الفاخر و التحف الثمينة و الاشجار النادرة
سنة 1880 م استردت الحكومه القصر بعد نفي الخديو اسماعيل من الوالدة باشا لتسديد ديون الخديو اسماعيل و باعته الحكومة الى الدائره السنية التي أقامت مزاداّ لبيع أثاث القصر و تحفه سنة 1900 تنافس على شرائها الأعيان و الاثرياء لندرتها و من أشهرهم كان محمد بك المنشاوي الذي اشترى العديد من اشجار القصر النادره ليستزرعها في عزبته في الغربية 


اعلان في جريدة الأهرام يوم 7 ديسمبر سنة 1900 لبيع اثاث و تحف و اشجار القصر النادره بالمزاد العلني 



 في سنة 1906 اشترت شركة شارل ماكس القصر و هي شركة استثمارية  فقامت بهدمه لإنشاء حي جاردن سيتي الحديث و تقسيم مساحة القصر الى أراضي لبناء الفلل و القصور الحديثة و عرضت ما تبقى من القصر و أشجاره للبيع فاشترى أبوابه وواجهته أحد كبار التجار يدعى الشيخ علي الوقّاد

إذن اختفى القصر .....
هذا ما ظننته حتى عثرت فى مدونة الصديقه عاليا نصّار  (اسم المدونة اثار تبكي ) على صورة حديثة لواجهة القصر وأبوابه مصحوبة بتعليق عن مكانه الجديد ...صحراء المماليك
ارتحل جزء من القصر من غرب القاهره على شاطئ النيل الى شرقها عند سفح المقطم و هو ما يعرف بصحراء المماليك

تحت شجرة جميز عتيقه عمرها من عمر المكان تجاورها شجرة بامبو جلسنا مع أحفاد الشيخ علي الوقّاد ليقصوا علينا
 الحكاية  :


الشيخ علي الوقاد 

جدنا الشيخ علي الوقاد كان شيخا معمما و كان يستورد أعواد الخيزران للبوليس كما أنه كان من كبار تجار البهارات و البخور التي كان يستوردها من الهند و يبيعها فى وكالة الوقاد بجوار المشهد الحسيني و التي ما زالت موجودة تحمل اسمه
كما ان الشيخ علي الوقاد يعتبر رائد صناعة البامبو في مصر حين استجلب أعواد البامبو من الهند و استقدم عمالة فرنسية لتصنيعه و افتتح مصنعا بشارع الملكة نازلي (رمسيس حاليا )  بجوار مسجد أولاد عنان (الفتح حاليا ) , ولكن في سنة 1920 أصر العمال الفرنسيين على زيادة رواتبهم بشكل مبالغ فيه هددت المصنع باللإغلاق و رفض الشيخ أن يلبي طلباتهم فتركوه و رحلوا لكنه اصر ان يكمل العمل بالمصنع و أوكل المهمّه الى ابنه محمد
يكمل لنا أستاذ احمد الوقاد القصة والدنا الذي كان قد أتقن الصنعه و بدأ بتمرين عماله مصريه حلت محل الفرنسيين و ما زالت تلك المنطقه في شارع رمسيس تشتهر بصناعة البامبو ، و أشهر المحال بها كانوا من تلامذة محمد علي الوقاد
اشترى الشيخ واجهة القصر و أبوابه حين عرض بالمزاد  و اشترى معه حوض مرمر مصنوع من قطعه واحدة من الرخام ، و رحايا من الجرانيت سنة1906  م  كانت مما تبقى من مقتنيات القصر بمبغ 700 ج ذهبياّ  ، واستخدم عمالا ايطاليين و أتراك و مصريين لتفكيك الواجهة الحجرية و الأبواب و ترقيمها و تم تحميلها على عربات الكارو لمنزله بصحراء المماليك, استغرقت عملية الفك و التركيب 10 سنوات كامله ...ليصبح المدخل الرئيس الى بيته الفخيم و حديقته الشاسعة




صور التقطت في النصف الأول من  القرن ال20 لواجهة وأبواب القصر العالي بعد نقله ليصبح واجهة لمنزل و حديقة الشيخ علي الوقاد بصحراء المماليك 



صوره واجهة القصر العالي 



صوره مجمعه تظهر المدخل الرئيس لواجهة القصر العالي و جزء من عقود مسجد ومدفن عائلة الوقاد و صور للابواب من الداخل التقطت في النصف الأول من القرن ال20 




تقف واجهة القصر العالي وابوابه صامدة  شامخة شاهدة على ما تبقى من عمارة ابراهيم باشا كأثر فريد ، مبنيه من حجر الفص النحيت و الأبواب من الخشب العزيزي و الشبابك مزينة بواجهات من حديد الخرط و حروف لقب و اسم الخديو اسماعيل ترقب من يدخل المكان


K-I  
KEDIVE ISMAIL
الحروف الأولى من لقب و اسم الخديو اسماعيل و الهلال و النجمه
الصوره اهداء من المهندس ماهر أبو سمرا 



على يمين الداخل من البوابة يوجد مسجد و مدفن الوقاد الذي تم بناؤه عدا السقف الذي لم يكتمل في سنة 1942 و الذي تأثر 
بزلزال 1992 فانهارت بعض أعمدته الرخاميه


أحد الأبواب المؤديه الى مسجد و مدفن عائلة الشيخ علي الوقاد



نافذه طوليه محلاه بحديد الخرط لمسجد و مدفن عائلة الوقاد



انهيار بعض اعمدة مسجد علي الوقاد على إثر زلزال 1992



عقود وأعمدة المسجد 



جزء المسجد و شواهد مدافن عائلة الشيخ علي الوقاد حيث هو وبعض من اولاده يرقدون 




أما على اليسار فهناك مكان فسيح كان يستخدم كورشة لتصنيع الكراسي و الطاولات من البامبو و لكن زهد في الصنعة معظم الأحفاد و أقام احدهم مقهى صغير ليعينهم على المكسب اليومي السريع
نمشي مع الأستاذ أحمد الى حديقه صغيره بها عربة فورد موديل سنة 1930 كان لونها أحمر مفككة الأجزاء تدل على ثراء اصحاب المكان يوما ما ، كانت  هذه سيارة ابن الشيخ علي الوقاد , و في أحد الأركان توجد الرحايا الجرانيت ,و على باب الحديقه يوجد الحوض المرمري بجوار هيكل العربيه الفورد


صورة للسيارة الفورد موديل 1930 من موقع شركة فورد العالميه 



موتور السياره الفورد التي كانت السيارة الخاصة لأحد أولاد الشيخ علي الوقاد 



شاسيه السياره الفورد و قد اخفاها أصحابها بوضع اشياء عليها في محاوله لحفظها من السرقة و عدم لفت النظر لها 
أو هكذا يظنون  


اطار السياره الحديدي 



صوره أخرى لاطار السياره الحديدي



الرحايا الجرانيت 



صوره لجزئي الرحايا من الجرانيت الوردي 



الحوض المرمري المنحوت من قطعه واحده من المرمر 



صوره للحوض من الداخل 



الهيكل الخارجي للسياره الفورد الحمراء موديل 1930 


أبواب و مقابض السياره الفورد الحمراء 


نكمل مع الأستاذ أحمد الوقاد حتى نصل الى ما تبقى من منزل يدل على العز و الثراء يليق بأحد الأعيان و تاجراّ بقيمة الشيخ علي الوقاد , المنزل في حال شديد البؤس و قد ينهار في اي لحظة و يصبح أطلالا



الواجهه الخارجيه لمنزل الشيخ علي الوقاد 



جزء من شبابيك و حوائط البيت الخارجيه للشيخ الوقاد 



من تفاصيل الزخارف الحجريه لأحد ابواب بيت الشيخ علي الوقاد 



الواجهه الرئيسه لبيت الشيخ علي الوقاد 




يستكمل استاذ أحمد قصة العائله موثقا حكاياته بالصور و الخرائط و الحجج  :
أصر والدي رحمة الله عليه ان يتم تسجيل المكان كاثر فتقدم بطلب الى المجلس الأعلى للاثار سنة 1995 و رفض الطلب بحجة أنه لا جدوى من تسجيل المكان كاثر و لا أهميه له !! و بعد محاولات استمرت سنين استجاب شخص ما عاقل فى المجلس الأعلى للاثار سنة 1999 وقام بتسجيل واجهة القصر و البوابات بقرار اداري يوم 31 -مايو – 1999  تم التأكد من التاريخ و القرار بالرجوع الى قوائم تسجيل و بالأسفل جزء من قرار التسجيل حسب قوائم وزارة الاثار 

19
بدون
واجهة القصر العالى وأبوابه الثلاثة
ش السلطان أحمد – صحراء قايتباى
1820م
إبراهيم باشا بن محمد على
مجلس إدارة فى 31/5/1999م
شرق القاهرة



الشيخ علي الوقاد يجلس على كرسي بامبو من منتجات مصنعه 



صورة لأولاد الشيخ علي الوقاد في مدرسة خليل أغا سنة 1934م




 صوره من خريطة هيئة المساحه توضح موقع و مساحة منزل و حديقة و جامع الشيخ علي الوقاد بصحراء المماليك 



مقياس رسم الخريطة 



المرحوم الشيخ علي حسين الوقاد توفي الى رحمة مولاه بعد حياة حافله بأعمال البر و الإحسان ليلة الجمعه 8 المحرم 1340و دفن يوم الجمعه 9 منه بالمقابر التي أنشأها بالمسجد الملحق بالمنزل فاللهم ارحمه رحمة ...واسكنه فس..... أمين 
ملحوظه الجزء المنقط هو الأحرف الناقصه من الكتابه 



بعض مما عرضه علينا أحفاد الشيخ علي الوقاد من صور و خرائط و حجج لديهم و هي في اشد الحاجه الى ترميم سريع 





في سنة 2006 تم سرقة واجهة أحد الشبابيك من الحديد الخرط مما أحزن والدي بشدة و مرض ثم وافته المنيه تاركا لأولاده و أولاد عمومتهم كنزا لا يقدر بثمن و لا أعلم ان كان قد ترك لهم معه اصراره و اصرار الشيخ علي الوقاد ايضا أم لا !
فمن تبقى من العائله المقيمه فى المكان رقيقي الحال بلا امكانيات حقيقيه تساعدهم على الحفاظ عليه في ظل غياب دور حقيقي لوزارة الاثار و حكومات اسقطت تراث مصر من حساباتها تماما ، لا أدري الى متى سيصمد افراد العائله فى عدم التفريط في المكان او في مقتنياته التي يعرض عليهم فيها مبالغ طائله قد تغري البعض بالبيع أو التفريط في هذا الكنز النادر !

تحدى القصر العالي الزمن و أبى الا أن يترك جزءا منه نابضا بالحياه محاولاّ مقاومة الموت و الفناء مستمسكا بتراث أجداده من المصريين القدماء الذين أمنوا بالخلود و تحدوا رهبة الموت
أمشي وسط سكون لا يقطعه الا أنين الحجر و تغريد طيور شجر الجميز العتيق حاملة هم التراث المصري و شكوته من حكومات أدمنت القبح لاسطر هذه الكلمات كأمانه لجيل سياتي بعدنا يوما ما، حتما سيكون أكثر قدره على وهب قبلة الحياه للقصر العالي  




من تفاصيل شبابيك واجهة القصر العالي 



من تفاصيل واجهة القصر العالي الصوره توضح العتب العلوي للشبابيك يعلوه ميداليون بيضاوي مزخرف بنقوش نباتيه 
و الصوره ايضا هي للشباك الذي سرقت حلياته الحديديه في 2006




الابواب الثلاث للقصر العالي 



 تفاصيل النقوش و عقد المدخل الرئيس بواجهة القصر العالي و الباب الأول 


صوره لمدخل واجهة القصر العالي 





واجهة القصر العالي 




 من تفاصيل الباب المصنوع من الخشب العزيزي



الحروف الأولى من اسم و لقب الخديوي اسماعيل 



من تفاصيل الحديد الخرط المزيّن لبعض عقود الأبواب 



مدخل الورشة التي كانت مقامه لتصنيع البامبو و على جانبيه الحروف الأولى لاسم و لقب الخديو اسماعيل و كأنها انعكاس للحروف بالمرايا 



صوره  جانبيه لحوائط منقوله من القصر العالي 



صوره من داخل حديقه المنزل للباب الأول و المدخل الرئيس و على يمين الصوره مدخل ما كان ورشة لتصنيع البامبو و على اليسار مدخل المسجد



الباب المصنوع من الخشب العزيزي 



حفر على الجدار الأثري من واجهة القصر من قبل شركة الكهرباء لتركيب كابلات كهربائيه !!!! هكذا تدخل الحكومه 



من تفاصيل الواجهه و الحديد الخرط 




 شجرة البامبو العتيقه المزروعه في حديقة المنزل و الذي استجلبها الشيخ من الهند 







جانب من حديقة منزل الشيخ علي الوقاد 


طاولات البلياردو حول القصر من الخارج 



شجرة الجميز العجوز أحد رموز مصر القديمه التي تثمر مهما طال بها الزمان 
من اشجار حديقة المنزل 

التاريخ يعيد نفسه 
تعليق دكتور طارق والي 


نعم التاريخ يعيد نفسه .. ذات الأخطاء ونفس الممارسات .. في بدايات القرن العشرين قامت الحكومات في مصر وشركات الأستثمار العقاري بهدم القصور وبيع محتوياتها ومقتنياتها لبناء تجمعات للطبقة الغنية .... وفي نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين تقوم الحكومات في مصر والمستثمرين العقاريين بهدم القصور التراثية لبناء عمارات لللأغنياء .. مع الفارق في الحالة الأولى كانت جكومة المحتل الأنجليزي وشركات أجنبية ، أما في الحالة الثانية هي حكومات مصرية ومستثمرين في الغالب مصريين .. قديماً كان المعتدي على التراث أجنبياً له أغراضه ومؤحراً المعتدي على التراث محسوب مصرياًً ولكنه غير وطنياً..... شكراً لسالي سليمان وللبصار لعل هناك من يبصر ..


شكر واجب 
لمركز دكتور طارق والي للحفاظ على التراث و العماره الذي أمدنا بما لديه من وثائق و كتب و خرائط نادره أفات كثيرا في تتبع تاريخ القصر العالي و كانت مصدرا مهما للمعلومات الوارده بالمقال 
من المصادر ايضا التي اعتمدنا عليها كتاب دكتور عبد المنصف سالم نجم : قصورالأمراء و الباشاوات في مدينة القاهره في القرن التاسع عشر 
شكر موصول للاستاذ محمد سليمان للبحث عن صور قديمه تؤرخ للقصر 

هناك 10 تعليقات:

  1. توثيق التراث المصري وخاصه الاسره العلويه مشكورين

    ردحذف
  2. د/ عبدالمنصف سالم نجم11 أكتوبر، 2014 7:48:00 ص جرينتش+2

    جميع المعلومات الخاصة بمنشأت أسرة محمد علي باشا المعمارية يمكن الرجوع للأستاذ الدكتور عبد المنصف سالم نجم

    ردحذف
  3. استبدلنا شواهد تأريخنا الانساني بالمهرجين والمخربين والجهلاء والعابثين وبكل مجالات الحياة جزيل الشكر والامتنان للمجهود والرحمة والغفران للشيخ الوقاد

    ردحذف
  4. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  5. شكرا للمجهود الرائع

    ردحذف
  6. شكرا على المجهود الرائع

    ردحذف
  7. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف