الاثنين، 16 مارس، 2015

الفوضى هي العنوان ..بين ما كان و ما هو كائن





الفوضى هي العنوان .. بين ما كان وما هو كائن

متى يحق للسلطة أن تهجر سكاناً استوطنوا أرضاً و سكنوها لمئات السنين ؟ و من يكون الحكم في حتمية التهجير و الإقناع بمبرراته ؟

من يعطي الحق لمجتمع أن يختار أرضاً بعينها ليسكنها ؟ و يبقى الجدل من صاحب الحق في عمارة المكان المجتمع أم الدولة ؟




صورة من أرشيف مركز والي للحفاظ على العمارة و التراث لبيوت القرنة القديمة -غرب مدينة الأقصر 


أهالي القرنة القديمة  سكنوا جبل البر الغربي بالأقصر منذ حوالي 300 سنة , لم يسكنوه حينها بسبب الآثار و الكنوز المدفونة في أرضه , و لا نعلم لماذا فضلوا سكنى الجبل عن الوادي في ذاك الوقت, فلم تقدم اي دراسات تاريخية أو اجتماعية تفضيل سكنى الجبل على الوادي  و لكن يقيناً ليس بسبب الآثار , فلم تكن وصلت بعد الحملة الفرنسية الى مصر و فتحت الباب على مصراعيه لأوربا لاكتشاف اثار مصر القديمة .
بمرور الوقت أصبح لهذا التجمع البشري في القرنة  القديمة عاداته و تقاليده و أعرافه و أنشطته الحرفية  و التي حملت في طياتها الكثير من  ملامح مصر القديمة , و التي أصبحت جزء من تراث الجبل و حلقة من حلقات التراث المصري .
بعد خروج الحملة الفرنسة من مصر , أجتاح العالم الغربي ما عرف بحمّى المصريات فتوافد المئات من المنقبين عن اثار مصر القديمة و كنوزها  , و بالطبع كانت الاقصر و خاصة البر الغربي هي قبلة معظم الدارسين و الباحثين عن مصر القديمة الغامضة , سواءاً حباً في العلم أو طمعاً في الكنز .
 كان هذا الحدث هو نقظة تحول محورية في حياة سكّان الجبل فمنهم من عمل مع البعثات التي تنقب عن الآثارو كان عملأً بالسخرة في بادئ الأمر ثم تطور قليلاّ ليصبح عملاً نظير مليمات يتقاضونها نظير الحفر و حمل سلال الأتربة , و منهم من قرر أنه هو الأولى بهذا الكنز المخبوء في ارضه فهذا إرث الأجداد , فبدأ بالحفر في الجبل , ومنهم من عمل مرافقا للسياح الغربيين الذين توافدوا بأعداد كبيرة للاقصر منذ نهاية القرن ال19 .
تعرضت الحكومة المصرية للعديد من الإنتقادات الدولية بسبب اكتشافات اثرية هامّه تمت على ايدي بعض سكان الجبل و كان من أشهر هذه الاكتشافات خبيئة الدير البحري بواسطة عائلة عبد الرسول في سنة 1881 و اكتشف بهذه الخبيئه مومياوات ملكية و اثاث جنائزي و العديد من الأثار الهامّه التي تسرب بعضها الى أسواق الإنتيكات .

صورة لعائلة من أهالي القرنة القديمة مطلع القرن ال20  




صورة نادرة لأحمد عبد الرسول ووالدته الحاجة فندية  

توالت بعد ذلك حوادث مماثلة مما وضع الحكومة المصرية في حرج ,  فقررت في اربعينيات القرن ال20 تهجير عدد محدود من بطون القبائل  ساكني الجبل و توطينة الوادي , و تم تكليف المهندس حسن فتحي من قبل جمعية أهلية برعاية الحكومة المصرية لإنشاء قرية القرنة الجديدة  (  قرية حسن فتحي ) على بعد أمتار من تمثالي ممنون .
.لم يكتب لهذه المحاولة النجاح فقد قاومها أهالي نجوع القرنة , و اعتبروها تهديداً مباشراً لمصالحهم فهم لن يتركوا ارضهم في الجبل , فهم يظنون أنهم حرّاس كنوز الأجداد و اعتبروا أن الذي يترك أرضه كمن يفرط في عرضه . كما أن ترك الجبل و النزول الى الوادي كان سيكون تغييراً جذريا في حياة الأهالي فهو سيغير وضعهم الإقتصادي و الاجتماعي من مجتمع جبلي قبلي الى حد كبير الى مجتمع مغاير  .

 لم يكتمل حلم حسن فتحي باستكمال القرية فأتم فقط بناء 70 منزلاً و السوق و الخان و الجامع و مدرستين  و توقف المشروع , و لم يكتمل حلم التهجير .

من أعمال حسن بك فتحي في القرنة الجديدة 

الصور التالية للمباني التي تم انشاؤها قي القرنة الجديدة من تصميم حسن بك فتحي المعماري المصري في منتصف القرن ال20 


لا يمكننا اليوم التقييم الموضوعي للتجربة اجتماعياً , و التي يعتبرها البعض تجربة جانبها الصواب بالرغم من نجاحها معمارياً , فقد كانت إحياءا لتراث معماري مصري ينتسب لجنوب الوادي و من العلامات البارزه في الصحوة الثقافية الوطنية حينها لعمارة مصرية أصيلة .
ظل حلم تهجير أهالي القرنة يراود الحكومات المصرية المتعاقبة على مدار 50 عاماً حتى وصلنا الى أواخر القرن ال20 , و كانت المحاولة الثانية و التي باءت أيضاً بالفشل حين تجمهر أهلي القرنة و رفضوا ترك منازلهم و لم تتجه وقتها الحكومة الى استخدام القوة الجبرية لتنفيذ التهجير .
مع مطلع القرن ال21  قرر رئيس مجلس مدينة الاقصر بالإتفاق مع المجلس الأعلى للاثار بالتهجير القسري لمعظم  أهالي نجوع القرنة القديمة , فداهمت قوات الأمن بيوت الأهالي , مصحوبة بالبلدوزرات التي هدمت البيوت , و تم نقل الأهالي في عربات الى حافة الصحراء شمال غرب مدينة الأقصر .
وصل المهجرون الى مدينة القرنة الجديدة  في منطقة الطارف ,ليجدوا البيوت التي بنيت لهم متصدّعة و لا توجد بها اي خدمات سوى مدرسة واحدة , و لا وسائل مواصلات … تركتهم الحكومة ليتدبروا أمرهم و يرمموا على نفقاتهم بيوتهم و يتكيفوا كما شاءوا مع وضع جديد فرض عليهم !!.
الصور توضح حال البيوت حين وصل أهالي القرنة المهجرين الى المدينة التي أنشأتها الحكومة لهم !! 

و هنا لنا وقفات :
هل كان التهجير الأخير  ضمن مشروع قومي بتوافق بين السلطة و المواطن فأقنعته مثلاً بتقديم مصلحة الوطن على مصلحته الشخصية مقابل بديل آدمي يكفل له سبل العيش الكريم ؟ الإجابة لا .
هل كان هناك سبب عاجل وملح لهذا التعامل القاسي غير المدروس ..ليتم بين ليلة وضحاها نقل الأهالي بهذه الطريقة غير الإنسانية ؟؟ هل كانت حياة السكان  مثلا معرضة لخطر داهم ينبغي انقاذهم منه ؟؟ الإجابة لا .
هل تم توثيق منازل أهالي القرنة  و دراسة عادات و تقاليد الأهالي و التي تعتبر حلقة من حلقات تراث مصر الإنساني ؟؟ الإجابة لا
هل تم عمل دراسات من قبل متخصصين في علم الإجتماع و الإنسانيات  لدراسة تداعيات هذا التهجير على البنية المجتمعية و الروابط الإنسانية التي ستؤثر حتماً عليهم كمجتمع له خصوصيته و على المجتمع الأكبر الذين قد تم دمجهم فيه ؟؟ الإجابة لا
هل درست الحكومة المصرية تجربة المعماري حسن فتحي و قيّمتها و استكملت ماانتهى إليه و وضعت مشروع لتطويره و الحفاظ عليه  أو حتى استغلته لتحقيق الفائدة المثلى من تجربته الرائدة ؟؟ الإجابة لا
هل بعد مرور حوالي  10 سنوات على تهجير سكان القرنة تم الغرض الذي سوّقته الحكومة حينها ألا و هو تطوير المنطقة الأثرية و استكمال التنقيبات و الكشوفات ؟؟ الإجابة لا
إذن لما كان التهجير ابتداءا ؟؟ !!
ما حدث قد حدث , و لن نبكي على اللبن المسكوب و لكن لنعتبر مما حدث من فوضى قرارات عشوائية و نجرب لمرة أن نكون أكثر حكمة ووعي لننقذ ما يمكن إنقاذه

الوضع الحالي :

تهجير سكان القرنة القديمة , هدم مساكن القرنة القديمة , عدم وضع خطّه زمنية واضحة للكشف عن الاثار في منطقة القرنة القديمة و تطويرها , و أخيرا ترك قرية حسن فتحي للهدم و التخريب بفعل الدولة و السكان و الزمن .
الفوضى هي عنوان ما حدث و ما هو كائن الى الان .
كرّم العالم المعماري حسن فتحي و استنسخ تجربته الفريدة في غرب الأقصر , أما وطنه  مصر فصمّ اذانه و أغمض عينيه و كأنه ينتظر أن تختفي هذه القرية , و يسقط الحلم من ذاكرة المجتمع .
تجاهل المسئولون  فيما يشبه العمد كل المناشدات و المحاولات الجادة لترميم و إحياء قرية حسن فتحي بالأقصر و استغلالها لتعود بالنفع على أهالي غرب الأقصر و تدر دخلا سياحياّ لمدينة قوام اقتصادها السياحة , .كأنهم اسكثروا علينا أن نحتفظ بشاهد على تجربة معمارية فريدة تتصل بحلقة من حلقات تراث مصر المعماري على مر العصور .
تقدم بعض  المتخصصين  في الحفاظ على العمارة و التراث المصري بعدة مشاريع و مقترحات جادة لترميم و الحفاظ على قرية حسن فتحي  بل وتسجيلها كاثر مصري فريد و كانت استجابة المسئولين ..التجاهل و الصمت التام ! .
الصور التالية توضح حال قرية حسن فتحي و تجاهل الحكومة لأي محاولة جادة لترميمها و اعادة استغلالها و  تسجيلها كأثر مصري الصور تم التقاطها في يناير 2015














نقوم مرّه اخرى بتقديم  المشاريع لعل أحداً يستجيب
و مازالت تتواصل حلقات الاهمال المتعمد و الجهل في الحفاظ على التراث المصري و ما تبقى منه على مرأى و مسمع المسئولين و بموافقتهم و كمثال اخر لدور الدولة الغائب دائما , و ليس ببعيد عن القرنة القديمة التي هدموها تبقى اخر شاهد لنا  هو نجع دير المدينة لسكّان الجبل الغربي ,  و هو يقع قرب منطقة دير المدينة الاثرية  مدينة العمّال في مصر القديمة , هذا هو الشاهد الاخير على هذا التجمع السكاني الذي نشأ قبل 300 سنة و مهدد في أي يوم بالاختفاء من الواقع و الذاكرة .. لنفقد معه للأبد ثقافة و عمارة عاشت سنون تقاوم الى أن هدمتها الحكومة في مثال حي و صريح لقرارت الفوضى المستمرة لعقود في حياتنا .
ما حدث هو فوضى قرارات تخلق أزمات عوضاً عن حلها و تهدر ثروات بدلاً من  ان تستغلها .
لم يكن التهجير مدروسا بشكل علمي يكفل للمواطن حقه في سكن آدمي , بل على عكس رسّخ مفاهيم خاطئه و قطع جذورا تربط المصري اكثر بتراثه , فجريمة هدم منازل القرنة  القديمة بلا توثيق لن يغفرها المصري أبدا لحكومات أدمنت العشوائية و القبح
 و مازال نزيف الهدر مستمراً
في المقابل نجد أن من أدرك تلك الحقيقة في اهمية التوثيق كان الاخر ,  المهتم بالتراث كقضية انسانية , فتسابقت بعض الجهات الأجنبية للقيام  بتلك المهمّه الوطنية , بلا رقابة و لا إشراف حقيقي من المؤسسات المصرية العلمية بل على العكس فتحت الباب على مصراعيه للوافد من الخارج و أعطته كل الصلاحيات ليقوم بما يشاء كيفما شاء .
استمرار الفوضى و الفشل و تفضيل الاخرالغريب دائما على المصري ابن هذه الارض , الذي هو الأقدر على استيعاب و توثيق تراثه و ربط حلقاته , كما انه هو صاحب الحق الاصيل في حماية تراثه و ضمان لاستمراره ..
الوطن و الاستيطان حق مكتسب أم حق منتهك ؟
التراث بين أحلام ضائعة وواقع فوضوي

المصادر :
أرشيف مركز دكتور طارق والي للحفاظ على العمارة و التراث 
روابط مقترحة :
فيلم المومياء للراحل شادي عبد السلام 
https://www.youtube.com/watch?v=l5aqoTU4WRA
شكر خاص لصفحة فوتوغرافيا مصر .
و شكرا خاص لأهالي القرنة 

الخميس، 5 مارس، 2015

العيب في ذات الحاكم





العيب في ذات الحاكم 

أحمد حلمي الصحفي الذي سجن 



 أحمد حلمي ما أن يذكر الاسم حتى بتبادر الى أذهان المصريين موقف أحمد حلمي الشهير .. الكثير لا يعرفون من هو أحمد حلمي الذي تم تسمية موقف الحافلات على اسمه !!ولد أحمد حلمي بحي الحسين سنة 1875 و توفي عام سنة 1936 تلقى تعليمه في خان جعفر بالحي الحسيني حيث تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن، عمل كاتباّ  في دمنهور ثم عين في مأمورية  سيوة ثم عاد مرة أخرى الى دمنهور .


حين تأسست جريدة اللواء سنة 1900 كتب فيها أحمد حلمي باسم مستعار ثم بدأ يكتب باسمه  الحقيقي , و كان قريبا جدا من مصطفى كامل





مصطفى كامل 




من أشهر كتاباته التحقيق الصحفي الذي قام به لتغطية أحداث و قضية دنشواي 13 يونيو 1906 حيث سافر الى دنشواي و قام بكتابة هذا التحقيق الذي سماه ( يا دافع البلا ) , و الذي فضح فيه ممارسات الاحتلال الانجليزي . كتب عن هذا التحقيق العقاد قائلا :لا نعرف فزعا شمل القطر المصري
  من أقصاه إلى أقصاه كالفزع الذي شمله يوم قرأ الناس أخبار هذه الفاجع
ه


بعد وفاة مصطفى كامل أسس أحمد حلمي مجلة  القطر المصري الأسبوعية  في ابريل سنة 1908  ثم بعد فترة حولها الى جريدة أسبوعية لتصبح أرخص ثمناّ و ذلك بناءاّ على رغبة القراء .
  تبنى العديد من القضايا منها : انشاء نقابه للزراعيين – انشاء وزارة للزراعة – مطالبة الجيش المصري بالانضمام الى المدنيين لكتابة دستور مصري و التخلص من الإحتلال الانجليزي - الإرتقاء بمستوى تعليم الفقراء و حقهم في التعليم العالي .
كتب مقالات عدة تهاجم الخديو عباس حلمي الثاني في جريدته القطر المصري حتى تم اتهامه بالعيب في الذات الخديوية . و كانت محاكمته أمام محكمة السيدة زينب يوم 5 ابريل سنة 1909 تحت حراسة مشددّة لاهتمام الرأي العام بمتابعة القضية ,كان محاميه الشخصي أحمد لطفي السيد , و التي انتهت بالحكم على أحمد حلمي بالحبس 10 شهور حبساّ بسيطاّ و تعطيل جريدته القطر المصري مدة 6 أشهر و إلزامه بكفالة قيمتها 1000 قرش .
بعد خروجه من السجن استمر أحمد حلمي في مهاجمة الخديو عباس حلمي الثاني و الاحتلال الانجليزي و تصدر عدد 26 نوفمبر مانشيت ( فلتسقط حكومة الفرد ) و هو الأمر الذي دعا الحكومة المصرية بعد استئذانها المندوب السامي أن تغلق جردية القطر المصري في 8 يناير 1910 الى الابد .
 

هو أول مصري يدخل السجن  بتهمة العيب في ذات الحاكم في عهد الخديو عباس حلمي الثاني سنة1908

الشوارع حواديت ....  


المصدر 
العيب في ذات افندينا   يونان لبيب رزق