السبت، 22 أبريل، 2017

على باب الأبدية



على باب الأبدية 

 حكايات و شخوص في رحاب الإمام

قررت يوماً أن أمشي على غير هدى للبحث عن الجمال في وسط العدم ، أسير في دروب ملتوية ، أترك خلفي ضريح الإمام الشافعي تغازلني قبته  ، فأطوف كالحمام حواليها ، ليس تبركاً بالمقام  و لكن بحثاً عن ماض و لّى و لم يعد يذكره أحد .

كالمجذوبة كنت في هذه الدروب.... أسأل كل من مررت به عن ضريح أو قبة تشققت جدرانها أو شامخة ما زالت ،  تنبئ 
عن عز و جاه كان في يوم ما صفحة  من صفحات التاريخ .

هنا يفاجئني الحظ بقباب ضخام تطوي حكايات لشخصيات كانوا يوماً ما ملئ السمع و البصر ، واراهم التراب و نسيهم حتى الأحباب .
خلف الجدران سياسي عظيم ، قائد ثورة ، أمير علوي أو أميرة  بنت عز و جاه .... شخصيات كثيرة تجمعت في رحاب الإمام .
حين كنت أدخل و أقف أمام شواهد الخلود كانت تتقاذفني مشاعر كثيرة ،  تختلط بأصوات أكثر ، بين صمت و جلال الموت و ضحكات أناس بالخارج يتعايشون مع الموت كمشهد رئيس في حياتهم التي كثيراً ما أعتمدت على الموت لتكسب الحياة !

حكايات تدور أمامي بين فَضولي يريد أن يعرف لم أهتم بمقابر هؤلاء ،  و بين من خط الزمان على وجهه ألف حكاية يحكيها بلسانه عن هؤلاء الراحلين و قد شهد في طفولته بعضاً من عزهم ،  أصوات شتى تلفني في وسط صمت الموت .
سر معي قارئي لترى بعضاً مما رأيت :

ذات الشاهد المرمري الأميرة  نعمت الله بنت الخديو  اسماعيل :




ولدت في 24 سبتمبر سنة 1875 م تزوجت من سمو الأمير إبراهيم أحمد باشا بن أحمد رفعت ناظر الأشغال و الزراعة ، توفي عنها سنة 1894 م ثم تزوجت مرة أخرى في 4 سبتمبر سنة 1896 م في تركيا محمد مختار بن غازي أحمد مختار . توفيت سنة 1945 و دفنت في مقبرتها بالإمام الشافعي .
بصوت غاضب يحكي رجل تجاوزت عمره السنين عن هذه المقبرة  و العز الذي راّه قائلاً : صادروها لصالح فقراء المصريين اقرأي الشواهد لتعلمي أن بعد المصادرة دفن الأسياد الجدد ، أنا هنا منذ زمن رأيت عز المكان ،  حين كان يبعث أسبوعياً من السراي طعام للفقراء و كساوي لهم ، بعد أن استولت الحكومة على المكان قسموا الأرض بين الأسياد الجدد و نسوا الفقراء رحم الله سمو الأميرة كانت ترعى المكان هي و باقي عائلتها ،  المكان كان مقسم جزء لمدفنها و جزء مدفن 
لخدمها و أنا منهم و جزء حتى لحيوانات السراي .... راحت أيام العز .



شاهد قبر الأميرة نعمت الله اسماعيل و زوجها محمد مختار



صورة توضح الاسماء المذهبّة على شاهد القبر المرمري 



صورة عامّة توضح شكل المبنى الذي يحوي الضريح 


ادريس بك راغب :



عطوفة ادريس بك راغب 



يافطتين متجاورتين و سلسلة ضخمة بقفل كبير لا يرحب بأحد ، مكان سري للغاية يناسب صاحب القبر و منصبه الذي تحوم حوله الأساطير .
هو العالم الرياضي المحقق نجل اسماعيل  راغب باشا بن ادريس معتوق محمد علي والي مصر .
ولد في سنة 1863م بمصر .
تلقى العلوم في منزله على يد أساتذة استحضرهم والده اسماعيل باشا ، ترقى في المناصب بعد أن أتم تعليمه ليصبح نائب قاضي في محكمة مصر الإبتدائية الأهلية ثم أصبح رئيساً لنفس المحكمة .
انضم إلى المحفل الماسوني حتى وصل إلى أعلى رتبة و هي الرئيس الأعظم للمحفل الأعظم الوطني المصري ، كما كان 
عضواً مؤسساً للنادي الأهلي و تولى رئاسته  بين 1906 -1916  م .


اسماعيل باشا بن ادريس أفندي 


رؤساء النادي الأهلي و منهم ادريس بك راغب


يافطة تحمل اسم ادريس بك راغب 

أنشأ هذا المدفن الحاج ادريس أفندي معتوق جنتمكان محمد علي والي مصر 




أحمد عرابي باشا :


من اللافت في قبره المتواضع جداً وجود العديد من الصور المطبوعة و كأنه ما يزال يزأر بثورته الكل هناك يعرف مكان قبره لم ينسوه !
ولد عرابي باشا في قرية رزنة بمحافظة الشرقية في مارس سنة 1841 م ، أخذ قسطاً من تعليمه بالأزهر الشريف ثم التحق بالجيش و تزوج من أخت زوجة الخديو توفيق بالرضاعة .
ترقى في الجيش حتى وصل إلى رتبة أميراّلاي المشاة و ظل يشغل هذا المنصب حتى قيامه بالثورة التي حملت اسمه ( الثورة العرابية ) حين تحرك و أنصاره في 9 سبتمبر 1881 م مطالباً بعزل رئيس النظّار مصطفى رياض باشا و تشكيل مجلس النواب و زيادة عدد الجيش من المصريين .
تحققت بعض مطالبه و تولى نظارة الحربية في نظارة محمود سامي البارودي و لكن احتلت مصر من الإنجليز 1882 م و نفي هو أنصاره إلى سيريلانكا في عهد الخديو توفيق ثم صدر العفو العام عنه و رفاقه في عهد الخديو عباس حلمي الثاني .
توفي سنة 1911 م .













الوزير الثائر الشاعر محمود سامي البارودي:




ضريحه لا يفتح لغريب فاكتفينا بالتقاط صورة لإسمه .



ولد لأبوين من أصول شركسية سنة 1838 درس في مدرسة المبتديان ، مدرسة الأسر المرموقة ثم التحق بالمدرسة الحربية و تخرج منها برتبة باش جاويش و انضم إلى الجيش العثماني بتركيا و خلال اقامته بالأستانة أتقن اللغة العثمانية و الفارسية .
عاد إلى مصر و التحق بالمعية الخديوية و عين ياوراً للخديو اسماعيل ثم محافظاً للقاهرة ، في عهد الخديو توفيق تولّى نظارة المعارف ثم نظارة الحربية ، و حين قامت الثورة العرابية كان من أشد أنصارها و تم نفيه مع رفاقه إلى سيريلانكا .
الف ديواني شعر و يعد من شعراء النهضة المصريين .
توفي سنة 1904 م .


الباشا رئيس النظّار شريف باشا :


من أول نظرة للقبة الفخيمة و حوائطها المحفورة بأنامل ذهبية تدهش من الإبداع ، حين تصل إلى شاهد قبره تنتابك رعدة إجلال كأنك بحضرته فعلياً ...فخامة شاهده بأوشحته المنقوشة تأمرك بأن تستأذنه بالوقوف أمامه ...و مع ذلك هو مكان يرحب بك و ينسيك أنك في مقبرة !

شاهد قبر شريف باشا و يجاوره شاهد قبر نجله 

شريف باشا المولود سنة 1862 م على الأغلب في مدينة قولة و قيل القاهرة لا نعلم حقيقة مكان مولده و لكن نعلم أن محمد علي باشا شمله برعايته و ألحقه بمدرسة الخانكة التي يدرس بها أولاده و أحفاده ، ثم ارسله في البعثة الخامسة من بعثات الأنجال إلى باريس ليلتحق بالمدارس الحربية هناك ، و عند عودته التحق بالجيش المصري تحت رئاسة سليمان باشا الفرنساوي و الذي تزوج شريف من ابنته ليصبحا فيما بعد أجداد الملكة نازلي ملكة مصر و أم ملك مصر فاروق الأول .
تولى شريف باشا رئاسة وزراء مصر أربع مرات و يعتبر أحد مؤسسي البيروقراطية الحديثة في مصر و اباً للدستور المصري و لاعب رئيسي في سياسة مصر و تاريخها الحديث .
يحمل اسم شريف باشا ثلاث شوارع الأول  في قلب مدينة القاهرة و الثاني في ضاحية حلوان أما الثالث فهو في مدينة الإسكندرية .

شكل عام لقبة ضريح شريف باشا 


من تفاصيل الحفر على الحجر على جانب حوائط الضريح الخارجية و زهرة اللوتس عنصر اصيل في الزخرفة 


قبة الضريح من الداخل الصورة للأستاذة عاليا نصّار 



سعد زغلول باشا  1919 :





من منا لا يعرف ضريح سعد أمام بيت الأمة ؟ ذاك القبر الفخيم الذي صممه المعماري الشهير مصطفى فهمي على طراز المعابد الفرعونية ، و لكن هذا ليس مرقد سعد باشا الأول فقد دفن سعد في رحاب الإمام الشافعي حين وافته المنية سنة 1927 م حتى تم بناء ضريح سعد الشهير سنة 1931 م .
القبر رحب مفتوح للجميع كبيت الأمة يوماً ما ..بخط واضح مقروء كتب اسم سعد زغلول ، تجلس بجواره سيدة كبيرة في 

السن لا تعلم سبباً لمجيئنا إلى قبر خاوٍ ليس به أحد ...هي لا تعرف من هو سعد !


ضريح سعد زغلول في رحاب الإمام الشافعي الصورة من داخل الضريح 


ضريح سعد زغلول من الخارج 

سعد زغلول الذي شغل مصر لسنوات طويلة و انشغل بمصر و مصيرها ، ولد سنة 1859 بمحافظة الغربية ، أخذ قسطاً من علومه بالأزهر الشريف كما حضر دروساً للشيخ جمال الدين الأفغاني و الشيخ المجدد محمد عبده .
ترك دراسته بالأزهر و عمل محرراً في القسم الأدبي لجريدة الوقائع كما عمل معاوناً في نظارة الداخلية و شارك في الثورة العرابية فتم فصله من وظيفته و سجن .
بعد خروجه من السجن عمل بالمحاماة التي كانت لا تطلب حينها شهادة في القانون و لكن سعداً أصر على السفر إلى باريس ليتعلم الفرنسية و يدرس القانون سنة 1897 م .
ترقى في السلم الاجتماعي بزواجه من السيدة صفية هانم بنت مصطفى فهمي باشا رئيس وزراء مصر .
 دوى اسمه حين أصبح من زعماء ثورة 1919 م ليصبح السياسي الثائر و نفي إلى مالطا ثم إلى سيشيل ، غنى له المصريون و شخصت أبصارهم إليه ، تولى عدة نظارات منها المعارف و الحقانية و صال و جال لتخليص مصر من براثن الاحتلال الانجليزي ، مات سعد قبل أن يشهد مصر حرة و أصبح له قبرين قبر خاوٍ شعبي و قبر رسمي و لم لا و هو قد جمع بين الشعبوية و الرسمية !


شاهد لن ترى مثله شاهد قبر الأمير محمد وحيد :

الأمير محمد وحيد 

قابلنا شخصاً لمس شغفنا بما هو مدفون تحت القباب فدلنا على قبر سيف يجب أن تزوروه لن تشاهدوا مثله ....
 في الطرقات الملتوية مشينا حتى وصلنا إلى مبتغانا و فتح لنا الباب ذو السلاسل الضخمة و القفل الذي صدأ ، يحذرنا حارس الضريح من أن نتحسس خطواتنا جيداً فالمكان مهدد بالانهيار لأنه يسبح على بركة مياه جوفية نلحظها حتى في الجدران و تزكم رائحة الملوحة أنوفنا حتى نقف أمام هذا الشاهد !
حقيقة لم نشاهد مثله ، الشاهد مصنوع من الفسيفساء الملونة و المذهبّة مصمم على شكل مقدمة قطار
تقف مشدوهاً أمام دقة الصنع و لكن من هو سيف ؟

ضريح الأمير محمد وحيد مصمم على شكل مقدمة قطار و مصنوع من الفسيفساء الملونة و المذهبة 

نتمشى بين الأضرحة نقرأ ما هو مكتوب علنا نجد بداية الخيط لنعرف القصة ..
على شاهد اخر صنع من الرخام نقرأ اسم أحمد سيف الدين اّه ...هذا سيف الذي يقصد أخو الأميرة شيوه كار زوجة الأمير فؤاد  ( الملك فؤاد الأول لاحقاً ) ذاك الأمير الذي ضرب فؤاد رصاصات في كلوب محمد علي ثأراً لما عانته أخته في زواجها و لكن من صاحب الشاهد الأول !
قرأنا الاسم بصعوبة لنكتشف أن صاحب الشاهد هو أخوه محمد وحيد الدين بن ابراهيم أحمد بن أحمد رفعت بن ابراهيم باشا بن محمد علي  و أخو الأميرة شيوه كار لم يعش طويلا ، ولد في 29 أغسطس سنة 1879 م و مات في حادث سيارة في فرنسا  سنة 1906 و كان عمره 27 سنة .

خبر وفاة الأمير محمد وحيد في 20 أغسطس اثر حادث سيارة في فرنسا 

 تزوج مرتين الأولى من سمو الأميرة فضيلة زبيدة عثمان و الثانية من الأميرة صالحة حلمي و أحد اشهر أبناؤه النبيل عمرو ابراهيم صاحب القصر الشهير بالزمالك أمام بوابة نادي الجزيرة ( متحف الخزف حالياً )
لم نعثر على اية معلومة أخرى عن البرنس محمد وحيد الدين و ترك لنا شاهد قبر لن نرى مثله ابداً .

الصور المتتابعة من تفاصيل شاهد قبر الأمير محمد وحيد 





صورة لقبة الضريح من الداخل و هي قبة فريدة من نوعها معمارياً 


ها قد طفنا سوياً حول ضريح الإمام ، أزحنا الغبار عن منسيات القاهرة التي كلما غصت في تاريخها و اثارها و جدت  أنه ما زال هناك الكثير و ان الطريق طويل و لكنها لا تبخل على من سعى و أن حتماً هذا السعي سوف ُيرى ... فقط اسعى و ارتمي في دروب القاهرة لتسمع الحكايات و تتعرف على الشخوص فحتماً سترى .


المصادر :
Ottoman Egypt royal family – unknown other
دليل وادي النيل  الجزء الأول - ابراهيم عبد المسيح
مذكرات فخري عبد النور
مذكرات سعد زغلول – عبد العظيم رمضان
سعد زغلول زعيم الثورة – عباس محمود العقاد
ذاكرة مصر المعاصرة – مكتبة الاسكندرية
عصر اسماعيل – عبدالرحمن الرافعي
مصر الخديوية – نشأة البيروقراطية الحديثة – روبرت هنتر
مذكراتي في نصف قرن – أحمد شفيق باشا

شكر خاص :
مركز والي للعمارة الحفاظ على التراث
دكتور حامد محمد
الأستاذ محمد سليمان

التصوير :
سالي سليمان
تاريخ الصور فبراير – مارس 2017

   

هناك 13 تعليقًا:

  1. موضوع شيق ورائع ومثير.فى مدونه أكثر من رائعه.

    ردحذف
    الردود
    1. تحياتي أستاذ هشام و لك جزيل الشكر

      حذف
  2. مجهود فوق الوصف عجزت الحروف عن وصفه امتعتيني واحسست اني من اسير وسط اثارنا الجميله

    ردحذف
  3. شكراً جزيلا لمتابعتك المدونة لكي منا فائق الإحترام

    ردحذف
  4. اخيرا !
    تسلم ايديكي 😊😊

    ردحذف
  5. اخيرا !
    تسلم ايديكي 😊😊

    ردحذف
  6. موضوع رائع .. مهجور في الأونة الراهنة مع شديد الأسف .
    الأضرحة لطالما كان موضوع للإحتفاء/الإحتفال به ( و بخاصة بين المصريين و كأنه ملازم جيني خفي موروث منذ عصور الفراعنة ) و كذا من عدد غير قليل من الأدباء/الرحالة هذا فضلا عن بنائيها و مصمميها تلكم الإحترافية مجدولة بالرقة و الشاعرية - إن جاز القول في وصف مدفن - و جماليات جعلت من بعضها تحف و لوحات فنية تخطف الأنفاس مما يشي بمدى إهتمام أصحابها المقيمين و الراحلين بها ...
    تمنيت أن لو كان بالعرض المشوق أعلاه - لإرضاء ذلك الشغف المذاب في قلوب المتابعين - عنوان الضريح و أقرب الشوارع للوصول اليه و أمكانية الزيارة الداخلية من عدمه ... كانت لتعم الفائدة
    و دمتم بود

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً جزيلاً للإطراء ، و للأسف اعتمدنا في التوثيق على التربية لأن لا أحد في المقابر يعتمد على أسماء الشوارع كما أن أغلب الأضرحة مغلق و غير مفتوح للزيارة و قد بذلنا مجهود ليس بالهين للدخول و لا توجد قاعدة يتكأ عليها غير الحظ للأسف ، نأمل أن يكون للمقال مردود إيجابي و يتم الاهتمام بهذه المقابر و يتم تسجيلها و اتاحة الفرصة للدخول و التصوير بشكل اّمن للشغوفين بالتراث ... تحياتي

      حذف
  7. مجهود اكثر من رائع اكثر الله من امثالك وجزاك الله خيرا وعشت زخرا لنا وفقك الله
    وشكرا لجلالتك

    ردحذف
    الردود
    1. العفو و شكراً جزيلاً للقراءة و المتابعة

      حذف
  8. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف